أثار قرار إقالة وزير البحرية الأمريكية جون فيلان، صدى واسع في الأوساط الإعلامية الأمريكية والذى جاء في خضم الحرب الإيرانية التي اشتعلت في 28 فبراير الماضي وما أسفر عن ذلك ليس فقط إحداث تغيير (شكلي) في النظام من خلال اغتيال قيادات الصف الأول في إيران بل كان لذلك أيضاً ارتدادات في الداخل الأمريكى وإحداث زلزال في البنتاجون.
صدام بين وزيرى البحرية والحرب
ففي صحيفة Politico الأمريكية، أشارت نقلاً عن شخصين مطلعين إلى أن فيلان، الذي شغل منصبه لأكثر من عام بقليل، في وضع تصور للسفن الحربية الجديدة لكسب ودّ الرئيس دونالد ترامب.
كانت البوارج من فئة "ترامب" مصدر إحباط كبير لوزير الحرب بيت هيجسيث ونائب وزير الدفاع ستيفن فاينبرغ لأنها لم تخدم استراتيجية البنتاجون الأوسع نطاقاً للتحول نحو سفن أصغر حجماً وأقل تكلفة وغير مأهولة.
وذكر مصدر إن السفن الضخمة ستكلف وزارة الدفاع مليارات الدولارات حتى تبدأ عملية تطويرها، وهي "لا تتوافق على الإطلاق مع ما يريد هيجسيث وفينبرغ الوصول إليه".
كما شهد فيلان مؤخراً سحب بعض مسؤولياته الرئيسية، وفقاً لشخصين آخرين. وذكرا أن فاينبرغ تولى إدارة برامج الغواصات، وأن مكتب الإدارة والميزانية كان يدير بالفعل جهود بناء السفن.
كان فيلان متواجداً في بهو البيت الأبيض يوم الأربعاء بعد الإعلان، وفقاً لمصدر مطلع. كما شوهد أيضاً في مبنى الكابيتول في ذلك اليوم. يأتي عزل فيلان في خضم الحملة العسكرية الأمريكية في إيران، وقبل أسبوع من موعد إدلاء هيجسيث بشهادته بشأن ميزانية البنتاجون المقترحة البالغة 1.5 تريليون دولار، والتي تتضمن زيادات كبيرة في برامج رئيسية للبحرية، بما في ذلك مشروع "الأسطول الذهبي" الذي اقترحه ترامب.
كان فيلان، وهو ممول ثري، أحد رجال الأعمال الذين رشحهم ترامب لشغل مناصب عليا في البنتاجون، إلى جانب فاينبرغ. وقد انضم إلى سلاح البحرية الذي كان يعاني من مشاكل في بناء السفن، متعهداً بإحداث تغيير جذري في هذه العملية. وأشرف على إلغاء مشروع الفرقاطة المتعثرة من فئة كونستليشن، بالإضافة إلى الإعلان عن مشروع ترامب لبناء البارجة الحربية، وجهوده لتوحيد صفوف الأدميرالات في البحرية .
لكنّه واجه صعوبة في إقناع البحرية بزيادة عدد السفن التي يتم بناؤها، وهو أحد أهم أولويات ترامب. كما فقد فيلان موظفين رئيسيين في الأشهر الأخيرة. ففي أكتوبر، أقال هيجسيث جون هاريسون ، رئيس أركان فيلان الذي كان يتمتع بنفوذ غير عادي، والذي سعى إلى إدخال تغييرات جذرية على مكاتب السياسة والميزانية في البحرية، وحاول الحد من دور وكيل الوزارة قبل تثبيت هونغ كاو في المنصب. وسيتولى كاو، ثاني أعلى مسؤول مدني في الجهاز، منصب فيلان بالوكالة.
وقال هانتر ستيرز، الذي شغل منصب كبير مستشاري البحرية في كل من إدارتي بايدن وترامب، إن فيلان ارتكب خطأً أيضاً عندما أشار إلى انفتاحه على بناء سفن حربية أمريكية في الخارج.
وقال: "إن تصريحات فيلان تقوض بشكل مباشر استراتيجية مشتركة بين الحزبين دافعت عنها إدارة ترامب لتحفيز شركات بناء السفن الحليفة ذات المستوى العالمي على الاستثمار في تحديث وتوسيع أحواض بناء السفن هنا في الولايات المتحدة".
حرب إيران تطيح بجنرالات في البنتاجون
يُعد هذا الرحيل المفاجئ الأحدث في سلسلة من الاستقالات والإقالات لكبار المسؤولين في إدارة ترامب، بما في ذلك وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم والمدعية العامة بام بوندي .
يُعد فيلان ثاني مسؤول عسكري رفيع المستوى يُقال من منصبه وسط الحرب الأمريكية في إيران، بعد أن أقال هيجسيث رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج هذا الشهر.
فيما ذكرت CBC news أنه لم يُذكر سببٌ لرحيل المسؤول المدني الأعلى في البحرية الأمريكية بشكلٍ مفاجئ. ويأتي ذلك في وقتٍ فرضت فيه الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية
ويُعدّ عزل فيلان أحدث حلقة في سلسلة من التغييرات الجذرية في البنتاجون، إذ يأتي بعد أسابيع قليلة من إقالة وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث لأعلى رتبة عسكرية في الجيش، الجنرال راندي جورج. كما أقال هيجسيث عدداً من كبار الجنرالات والأدميرالات وقادة الدفاع منذ توليه منصبه العام الماضي.
بدأت عمليات الإقالة في فبراير 2025، عندما أقال هيجسيث قادة عسكريين من بينهم الأدميرال ليزا فرانشيتي، أعلى ضابطة عسكرية في البحرية، والجنرال جيم سلايف، نائب قائد القوات الجوية. كما أقال ترامب الجنرال تشارلز "سي كيو" براون جونيور من منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة.
في إشارة إلى مدى مفاجأة هذه الخطوة الأخيرة، خاطب فيلان حشدًا كبيرًا من البحارة والمتخصصين في الصناعة يوم الثلاثاء في المؤتمر السنوي للبحرية في واشنطن، وتحدث إلى الصحفيين عن جدول أعماله. كما استضاف قادة لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي لمناقشة طلب ميزانية البحرية وجهودها لبناء المزيد من السفن.
لم يكن فيلان قد خدم في الجيش أو شغل منصب قيادي مدني في الخدمة قبل أن يرشحه ترامب لمنصب وزير البحرية في أواخر عام 2024. وكان يُنظر إليه على أنه دخيل تم جلبه لإحداث تغيير جذري في البحرية.
ترامب يتخلى عن صديقه!
وكان من كبار المتبرعين لحملة ترامب الانتخابية، وأسس شركة الاستثمار الخاصة "روغر مانجمنت". ووفقًا لسيرته الذاتية، فإنّ معرفة فيلان الرئيسية بالجيش جاءت من خلال دوره الاستشاري في منظمة "روح أمريكا"، وهي منظمة غير ربحية دعمت الدفاع عن أوكرانيا وتايوان.
ويغادر فيلان في وقتٍ حافلٍ بالنسبة للبحرية. إذ لديها ثلاث حاملات طائرات منتشرة في الشرق الأوسط أو متجهة إليه، بينما تقول إدارة ترامب إن جميع فروع القوات المسلحة على أهبة الاستعداد لاستئناف العمليات القتالية ضد إيران في حال انهيار وقف إطلاق النار.
كما حافظت البحرية على وجود مكثف في منطقة البحر الكاريبي، حيث شاركت في حملة غارات ضد قوارب يُزعم أنها تُستخدم لتهريب المخدرات. ولعبت أيضاً دوراً رئيسياً في القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير.
فيما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" إن إقالة وزير البحرية جاءت بعد أشهر من الصراعات الداخلية مع كبار قادة البنتاجون والخلافات حول كيفية إنعاش برنامج بناء السفن المتعثر التابع للبحرية.
ويُعدّ فيلان أول وزير عسكري يغادر الإدارة، ولكنه ثاني وزير عسكري يدخل في خلاف مع وزير الدفاع. ولا يضطلع وزير البحرية بأي دور في الإشراف على القوات المنتشرة، ومن غير المرجح أن يكون لإقالة فيلان تداعيات كبيرة على سير الحرب مع إيران أو عمليات البحرية الأمريكية لحصار الموانئ الإيرانية أو فتح مضيق هرمز. وبصفته القائد المدني الأعلى للبحرية، فإن مسؤوليته الرئيسية هي الإشراف على بناء القوة البحرية وقوات مشاة البحرية المستقبلية.
لكن الاضطرابات قد تجعل من الصعب على البحرية تجديد مخزونها من صواريخ توماهوك وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة ، والتي تم استخدامها بكثافة في إيران.
خلافات داخل البنتاجون
وكانت التوترات تتصاعد منذ أشهر بين فيلان ورئيسيه - هيجسيث - بشأن أسلوب الإدارة وقضايا الموظفين وأمور أخرى.
وقال المسؤولون إن فيلان، المعين من قبل البيت الأبيض، كانت تربطه أيضاً علاقة متوترة مع نائبه، وكيل الوزارة هونغ كاو، الذي يميل أكثر إلى هيجسيث، لا سيما في بعض المعارك الاجتماعية والثقافية التي حددت فترة تولي وزير الدفاع منصبه.
وقال مسؤول كبير في الإدارة إن هيجسيث أبلغ فيلان قبل الإعلان الرسمي للبنتاجون بأنه والرئيس ترامب قد قررا أن البحرية بحاجة إلى قيادة جديدة.
مع ذلك، فاجأ توقيت إقالة فيلان بعض مسؤولي البنتاجون والكونجرس. ففي يوم الأربعاء، كان فيلان يجري جولات في مبنى الكابيتول، متحدثًا إلى أعضاء مجلس الشيوخ حول جلسة الاستماع السنوية المقبلة مع المشرعين لمناقشة طلب ميزانية البحرية وأولويات أخرى.
قال السيناتور جاك ريد من ولاية رود آيلاند، وهو أبرز الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة، في بيان صدر مساء الأربعاء: "إن إقالة الوزير فيلان المفاجئة أمرٌ مثير للقلق. ففي خضم حرب الرئيس ترامب الاختيارية على إيران، وفي وقتٍ تعاني فيه قواتنا البحرية من نقص الموارد في جبهات قتال متعددة، فإن هذا النوع من الاضطراب على أعلى المستويات يرسل إشارة خاطئة إلى بحارتنا ومشاة البحرية، وإلى حلفائنا، وإلى خصومنا".
كان فيلان أيضاً علاقة وثيقة ترامب. ففي ديسمبر، ظهر فيلان إلى جانب ترامب في منتجع مارالاغو الخاص به للإعلان عن "الأسطول الذهبي" والفئة الجديدة من البوارج التي تحمل اسم ترامب.
قال ترامب: "جون فيلان هو أحد أنجح رجال الأعمال في البلاد - في بلدنا. لقد حقق نجاحاً باهراً".
وقبل انضمامه إلى إدارة ترامب، كان فيلان يدير صندوق استثمار خاص مقره في فلوريدا.
قال ترامب في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في ديسمبر: "ربما يكون قد قبل بأكبر خفض في راتبه في التاريخ، لكنه أراد ذلك. إنه يريد إعادة بناء قواتنا البحرية. وكنا نحتاج إلى هذا النوع من العقول للقيام بذلك على النحو الأمثل".
لكن إشادة ترامب المفرطة أخفت توترات أعمق مع رؤساء فيلان في البنتاغون. وقال برايان كلارك، المحلل البحري في معهد هدسون، إن فيلان كان "يقود البحرية في اتجاه مختلف" عما أراده اهيجسيث وفاينبرغ.
واضاف: "لقد كان يدافع عن مبادرات مثل السفينة الحربية والفرقاطة التي لا تتوافق مع الاتجاه الذي تقود إليه قيادة وزارة الحرب الجيش، وهو الغواصات والطائرات الشبحية والأنظمة غير المأهولة والقدرات التي تعتمد على البرمجيات مثل الحرب الإلكترونية والفضاء الإلكتروني".


















0 تعليق