في الوقت الذي تتراجع فيه حدة التوترات العالمية وتتحرك أسعار الطاقة بشكل متذبذب، تبذل الدولة المصرية قصارى جهدها، لإدارة ملف الوقود برؤية متوازنة تراعي دقة الظرف الاقتصادي العالمي، فبدلًا من الاستجابة السريعة لتغيرات مؤقتة، تعتمد الدولة على آليات تسعير مدروسة تأخذ في الاعتبار الأسعار الدولية وسعر الصرف وأعباء الموازنة، بما يعكس حرصها على بذل أقصى ما يمكن للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وحماية المواطنين من تداعيات تقلبات لا تزال مستمرة، وفي هذا السياق يحلل خبراء مختصون، الوضع بعين اقتصادية، ويكشفون كيف يسير الوضع الحالي؟.
"جاب الله": الحديث عن خفض أسعار الوقود سابق لأوانه
استهل الدكتور وليد جاب الله، خبير الاقتصاد والمالية العامة، حديثه بحسم الجدل الدائر حول إمكانية مراجعة أسعار الوقود محليًا، مفيدًا بأن ما يُثار بشأن وجود دعوات من محافظ البنك المركزي الأسبق لمراجعة الأسعار يحتاج إلى تدقيق.
وأكد "جاب الله"، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن مراجعة أسعار الوقود في مصر تخضع لآلية قانونية واضحة، من خلال لجنة تسعير المنتجات البترولية التي تنعقد كل ثلاثة أشهر، مشيرًا إلى أن أي تغيير في الأسعار يتم وفق معايير محددة، وليس بناءً على تصريحات فردية.
وأشار "جاب الله" إلى أن أسعار النفط العالمية، رغم تراجعها النسبي، لا تزال عند مستويات مرتفعة، موضحًا أن سعر البرميل يدور حاليًا حول 90 دولارًا، بعد أن كان يتراوح بين 100 و120 دولارًا.
وأضاف أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة إمكانية خفض الأسعار محليًا، مؤكدًا أن العودة لمستويات ما قبل الأزمات، والتي كانت تدور حول 65 إلى 66 دولارًا للبرميل، هي الشرط الأساسي للنظر في خفض الأسعار.
وتساءل خبير الاقتصاد عن جدوى الحديث عن مراجعة الأسعار في الوقت الحالي، في ظل استمرار تداول النفط عند مستويات مرتفعة، قائلًا إن الظروف الحالية لا تبرر مثل هذه المطالب.
وأشار إلى أن تقديرات الموازنة العامة الجديدة تعتمد على سعر 75 دولارًا للبرميل، في حين أن الأسعار الفعلية لا تزال أعلى من ذلك، فضلًا عن وجود تكاليف إضافية تتحملها الدولة.
واختتم "جاب الله" تصريحاته بالتأكيد على أن الحديث عن خفض أسعار الوقود في الوقت الحالي "مبكر جدًا"، موضحًا أن الأسواق العالمية لا تزال غير مستقرة، وأن أي تغيرات مستقبلية قد تدفع الأسعار للارتفاع مرة أخرى، وليس الانخفاض، ومؤكدًا أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون قائمًا على معطيات واقعية ومنطق اقتصادي، وليس توقعات غير مدعومة بمؤشرات واضحة.
أحمد متولي: ملف الوقود تحكمه 3 محاور رئيسية
من جانبه أكد الدكتور أحمد متولي، الباحث والمحلل الاقتصادي، أن الأمر لا يتعلق بقرار تسعير بسيط، بل يرتبط بمنظومة اقتصادية معقدة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتوقف عند أسعار النفط فقط، بل تمتد إلى تكلفة استيراد الطاقة بشكل عام، خاصة أن مصر تعد مستوردًا صافيًا للطاقة، خصوصًا الغاز.
وأوضح الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن ملف الوقود في مصر تحكمه ثلاثة محاور رئيسية، وهي الأسعار العالمية للطاقة، ووضع الموازنة، ووسلوك السوق المحلي، موضحًا أن مصر منذ عام 2016 تسير في برنامج إصلاح اقتصادي يتضمن تقليل دعم الطاقة تدريجيًا، وزيادة مارس 2026 جاءت بهدف خفض عبء الدعم.
وأشار إلى أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود كانت مدفوعة بارتفاع أسعار النفط عالميًا، والتي تجاوزت 100 دولار خلال فترات الأزمة، ما دفع الدولة لتقليل الدعم إلى نحو 75 مليار جنيه بدلًا من 154 مليار، مما يوضح أن تسعير الوقود في مصر أصبح "شبه مرتبط" بالسوق العالمي وسعر الصرف.
وفيما يتعلق بإمكانية خفض أسعار الوقود، أكد "متولي" أن الأمر يبدو منطقيًا من الناحية الاقتصادية، لكنه صعب التنفيذ عمليًا، مشيرًا إلى أن أسعار النفط بدأت بالفعل في التراجع، حيث انخفض خام برنت إلى نحو 90 دولارًا بعد هدوء التوترات العالمية.
وشدد "متولي" على أن سعر الصرف يمثل عنصرًا حاسمًا في المعادلة، موضحًا أن الجنيه فقد نحو 9 إلى 10% من قيمته خلال فترة قصيرة، متابعًا: أي انخفاض عالمي ممكن يتآكل بسبب العملة، في إشارة إلى أن تراجع الأسعار عالميًا قد لا ينعكس محليًا بنفس القوة.
وأكد أن الدولة تستخدم تسعير الوقود كأداة مالية لضبط عجز الموازنة، موضحًا أن خفض الأسعار يعني زيادة الضغط على الميزانية.
وخلص "متولي" إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الفترة الحالية هو تثبيت أسعار الوقود بدلًا من خفضها، موضحًا أن زيادات الوقود كانت تضيف ما بين 1 إلى 1.5% شهريًا، أو نحو 2 إلى 3% على المدى القصير، وبهذا فإن خفض الأسعار قد يقلل الضغوط التضخمية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض حاد في الأسعار.
وفي رده على مدى انعكاس خفض الوقود على الأسعار، أكد "متولي" أن التأثير سيكون جزئيًا وبطيئًا، شارحًا عدة أسباب لبطء استجابة الأسواق، أبرزها التسعير بالتوقعات، حيث يرفع التجار الأسعار فور الزيادة، لكن يتريثون عند الانخفاض للتأكد من استمراريته، بجانب تعدد حلقات التكلفة، إذ يؤثر الوقود على النقل والإنتاج والتخزين، وكل مرحلة تستغرق وقتًا لتمرير أي انخفاض، فضلًا عن ضعف المنافسة، حيث إنه في بعض القطاعات التي تشهد احتكارًا جزئيًا أو نقصًا في الرقابة.


















0 تعليق