قال شارل ميشيل، رئيس وزراء بلجيكا السابق، الرئيس السابق لمجلس الاتحاد الأوروبى، إن مصر لاعب رئيسى فى منطقة الشرق الأوسط، مشيدًا بجهود الوساطة وسعى مصر الدائم لتحقيق الاستقرار.
وأكد «ميشيل»، فى حواره مع «الدستور»، أن أوروبا عليها أن تتعامل مع مصر وبقية الشركاء الفاعلين كركائز استراتيجية وليس مجرد أطراف حوار، مشددًا على أن أمريكا لم تستشر أوروبا قبل ضرب إيران، وهذا التحرك ليس له سبب محدد حتى الآن.
ولفت إلى أن رئيس المفوضية الأوروبية أخطأ بعدم التحدث عن غزة بشكل كافٍ مثلما فعل مع قضية أوكرانيا، ما تسبب فى اتهام القارة العجوز بازدواجية المعايير، مشيرًا إلى أن أوروبا عليها أن تتعلم من الأخطاء، وأن تعلم أن الاستقلال لم يعد ترفًا بل ضرورة.
■ ما تقييمك لأداء الاتحاد الأوروبى فى التعامل مع الأزمات المتتالية.. خاصة فى الشرق الأوسط؟
- واجه الاتحاد الأوروبى سلسلة من الأزمات خلال العقد الماضى، ولديه سجل حافل بالخروج منها أكثر مرونةً واستفادةً من الدروس.
كنت رئيس وزراء بلجيكا، ثم رئيسًا للمجلس الأوروبى، ولاحظت مرارًا وتكرارًا أن الاتحاد الأوروبى يتعلم بسرعة بمجرد وضوح الرؤية. على سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد- ١٩، استغرق الأمر وقتًا فى البداية، ولكن بمجرد وضع خطة نفذناها بسرعة وعلى نطاق واسع.
أما فيما يتعلق بأوكرانيا، فقد اعتقد الكثيرون أننا لا نستطيع تقديم دعم عسكرى، ولكن فى غضون ساعات عدلنا القواعد وبدأنا فى تقديم الدعم.
تختلف أزمة الشرق الأوسط عن الأزمات الماضية، لكنها لا تقل أهمية، الآن لا تنطلق الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى من نفس الموقف، فهناك من يتأثرون بجهات فاعلة مثل أمريكا وإسرائيل، وهذا يجعل من الصعب على أوروبا التأثير فى الأمور مبكرًا، خاصةً أنها لم تُستشر، وحتى اليوم، فى حرب إيران.
ما زلنا نجهل أهداف هذا التدخل العسكرى، لكننا بدأنا نرى تحركًا فى الاتجاه الصحيح، مع وقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية المستمرة. يُعدّ التحالف الذى يضم ٤٠ دولة، بما فيها دول أوروبية، والصيغة الفرنسية البريطانية التى أُعلن عنها مؤخرًا لتأمين حرية المرور عبر مضيق هرمز- بداية جيدة، ولكن القضية الحقيقية لم تكن تتعلق بالمبادئ، بل بما إذا كان بإمكاننا التحرك بالسرعة والتنسيق والقوة الكافية. وهذا تحديدًا ما تُختبر فيه أوروبا الآن.
■ كيف ترى رد فعل أوروبا على التصعيد الحالى الذى يشمل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؟
- أؤكد أن هذا التدخل العسكرى لا يتوافق مع القانون الدولى، ولا نعرف سببًا له، قد يبدو الهدف الآن هو فتح مضيق هرمز، الذى كان مفتوحًا بالفعل من قبل، والغريب أنهم قصفوا أولًا ثم درسوا الوضع.
لسوء الحظ، امتد هذا الصراع بسرعة من الخليج إلى البحر الأحمر، وأثر بالفعل على التجارة والأمن العالميين. حتى مع اتفاق وقف إطلاق النار الهش الأخير، لا تزال المخاطر على الملاحة وتدفقات الطاقة قائمة وكبيرة، وبالطبع، ما زلنا بعيدين عن الاستقرار، وهذا يهمنا جميعًا.
شهدنا خلال الأيام الماضية مزيدًا من التنسيق السياسى، والتواصل الدبلوماسى، والدعم الملموس للشركاء فى المنطقة، وازداد الانخراط الأوروبى، بما فى ذلك تنسيق الأمن البحرى والتواصل الدبلوماسى، ولكنه لا يزال فى طور مواكبة الأحداث.
قد تتحرك أوروبا ببطء فى البداية، ولكن بمجرد انخراطها، تتوسع بسرعة. واجبنا الآن هو التعلم من هذه التجربة، ومواصلة العمل على تعزيز استقلاليتنا الاستراتيجية لتقليص الفجوة.
■ يُتهم الاتحاد الأوروبى بازدواجية المعايير فى السياسة الخارجية، خاصة عند المقارنة بين أوكرانيا وغزة.. ما ردك؟
- علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع العالم أجمع. إذا أردنا الدفاع عن القانون الدولى، فعلينا الدفاع عنه فى كل مكان. لقد أخطأ رئيس المفوضية الأوروبية بالفعل، على عكس العديد من قادة الاتحاد الأوروبى الآخرين، بعدم التحدث بما فيه الكفاية عن غزة، ما خلق صورةً للمعايير المزدوجة، وهو ما يُضر بالاتحاد الأوروبى.
لا ينبغى لنا تبسيط الواقع، أوكرانيا ديمقراطية مُستهدفة، وإيران نظامٌ اضطهد شعبه وزعزع استقرار المنطقة وخارجها لعقود، وإذا بدأنا فى انتقاء متى وأين نُطبِّق مبادئنا، فإننا نفقد مصداقيتنا. ونحن نُدرك تمامًا أن المصداقية لا تُبنى على التصريحات، بل على الاتساق.
■ ما أكبر تهديد داخلى يُواجه الاتحاد الأوروبى اليوم؟ وهل هناك خطر حقيقى على الوحدة الأوروبية؟
- الوحدة الأوروبية تحدٍّ يومى. وأحيانًا يميل المرء إلى العودة إلى ردود الفعل الوطنية والتفكير قصير المدى، نشهد فى العالم، أكثر فأكثر، سلوكًا قائمًا على المصالح المتبادلة، وتراجعًا فى الثقة والرغبة فى العمل المشترك. إذا استمر هذا الوضع، فإن التشرذم سيصبح خطرًا حقيقيًا، بما فى ذلك فى أوروبا. لقد بُنى الاتحاد الأوروبى على فكرة أن التوافق والتعاون يُعززان قوتنا. عندما نتقاسم المخاطر، نتقاسم المصالح. إذا تخلينا عن ذلك، فإننا لا نُضعف أوروبا خارجيًا فحسب، بل نُضعفها داخليًا أيضًا، لكن فى الوقت نفسه، رأيت هذا من قبل. فبعد كل أزمة، يخرج الاتحاد الأوروبى أقوى وأكثر مرونة وأفضل استعدادًا وأنا مقتنع بأن هذا سيتكرر.
■ هل أوروبا قادرة على أن تصبح قوة عالمية حقيقية تتمتع باستقلالية استراتيجية أكبر عن الولايات المتحدة؟
- نعم.. بالتأكيد، أعتقد أن الاتحاد الأوروبى قوة عالمية بالفعل، لكننا ننسى ذلك أحيانًا. لدينا كل الموارد والقدرات لممارسة نفوذ أكبر. ويجب أن نعترف بأن العلاقة عبر الأطلسية، بين أمريكا والاتحاد الأوروبى، تتعرض لضغوط شديدة. لقد أثبتت هذه الحرب، مرة أخرى، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الولايات المتحدة مستعدة للتصرف دون استشارة أوروبا، حتى فى القضايا التى تؤثر علينا بشكل مباشر.
علينا أن نستخلص العبر الصحيحة من ذلك، لم تعد الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية ترفًا، بل ضرورة حيوية.
لا يمكننا تجاهل ما يحدث، هذه مؤشرات على الوجهة التى تتجه إليها أمريكا.. الشراكة يجب أن تقوم على الاحترام، وهذا يعنى التشاور والتنسيق والتوازن. لا يعنى الاستقلال الاستراتيجى النأىَ الواعى عن الولايات المتحدة، بل ضمان التزامنا بمبادئنا وقيمنا حتى عندما تختار الولايات المتحدة مسارًا مختلفًا، يتجه العالم نحو سلوكيات أكثر نفعية وقائمة على القوة. على أوروبا أن تتكيف، وأن تعيد ابتكار نفسها، وأن تكتسب أهمية. لا سبيل غير ذلك
كيف تقيّم دور مصر فى تحقيق الاستقرار الإقليمى؟
- لا شك فى أن مصر فاعل رئيسى. فهى تلعب دورًا محوريًا فى الوساطة، وفى تحقيق الاستقرار الإقليمى، وفى إدارة بعض أكثر القضايا حساسية، بما فى ذلك غزة، وتُدرك أوروبا ذلك، وتعكس الشراكة الاستراتيجية الشاملة هذا الإدراك، ولكن يبقى السؤال نفسه دائمًا: هل نبذل ما يكفى، وهل نتحرك بالسرعة الكافية؟
إذا أردنا أن نكون أكثر مصداقية، فعلينا بذل المزيد من الجهد والتعامل مع شركاء مثل مصر ليس فقط كأطرافٍ للحوار، بل كركائز استراتيجية للاستقرار الإقليمى. وينطبق الأمر نفسه على دول الخليج. فهم ليسوا مجرد شركاء، بل هم لاعبون رئيسيون فى منطقة شديدة الاضطراب. ينبغى لأوروبا أن تعمل معهم بشكل أوثق سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.















0 تعليق