رفض أن يكون "ببغاء" ونصحة عبد الوهاب بالإنصات والثقافة.. حكايات العندليب عبد الحليم حافظ

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في حوار نشر بمجلة المصور عام 1960، كشف العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ جانبا إنسانيا عميقا من رحلته الفنية، رحلة لم تبدأ بالتصفيق، بل بالرفض القاسي، ولم تكتب لها النجومية بسهولة، بل صنعت من المعاناة والإصرار.

جلس الصحفي أمامه يستمع دون مقاطعة، تاركا له مساحة كاملة ليحكي، فجاءت كلماته صادقة، خالية من التجميل، رفض عبد الحليم فكرة أنه “ظهر فجأة” أو أن النجاح جاءه دون عناء، مؤكدا أنه جاهد كثيرا، وتعب أكثر من كثيرين سبقوه في الطريق، وربطت الصداقة بينه وبين الملحن كمال الطويل، حيث كانا يعيشان معا حالة من القلق والحيرة، تلك التي تصاحب البدايات المجهولة.

 

يحكي عبد الحليم أنه كان يدندن أحيانا هروبا من هذا القلق، لكن تلك الدندنة البسيطة كانت الشرارة الأولى، فقد لفتت انتباه كمال الطويل، الذي أصر على أن هذا الصوت لا يجب أن يظل حبيس الجلسات الخاصة، بل يجب أن يصل إلى الناس.

 ورغم خوفه الشديد من الفكرة، وافق تحت إلحاح صديقه، ليخوض أولى تجاربه في الإذاعة، لكنها جاءت صادمة، إذ قوبل بأسوأ استقبال، وخرج غاضبا، ساخطا على تلك الخطوة.

 

لكن كمال الطويل لم يتراجع، بل ظل مؤمنا بموهبته، حتى نجح في تقديمه مرة أخرى، وعندما سمع عبد الحليم صوته يذاع لأول مرة، شعر بأنه بدأ يخطو أولى خطواته نحو الحلم.

 

غير أن الطريق لم يكن ممهدا، فقد واجه اختبارا قاسيا على أحد مسارح الإسكندرية، حيث تعاقد على الغناء لعشر ليالي، في الليلة الأولى مر الأمر بسلام، لكن في الثانية بدأ التوتر، وفي الثالثة رفضه الجمهور بشكل حاد، حتى اضطر صاحب المسرح لإسدال الستار خوفا عليه من غضب الحضور.

 

كانت لحظة قاسية، زادها اقتراح صاحب المسرح بأن يغني أعمال محمد عبد الوهاب، وهنا دخل عبد الحليم في صراع داخلي، إذ أدرك أن تقليد فنان كبير لن يصنع له هوية، بل سيجعله مجرد نسخة باهتة. فاختار الهروب من المسرح، والعودة إلى القاهرة، مفضلا الفشل على أن يكون “ببغاء” يردد ما يقدمه الآخرون.

 

مرت سنة كاملة من الإخفاق، كادت أن تدفعه إلى اليأس، قبل أن يمنحه القدر فرصة جديدة، عاد إلى نفس المسرح، ونفس الجمهور، لكن هذه المرة بأغاني خاصة به، من ألحان كمال الطويل ومحمد الموجي، مثل “صافيني مرة” و“على قد الشوق”. وهنا انقلب المشهد تمامًا، إذ طالب الجمهور نفسه الذي رفضه سابقا بأن يستمر في الغناء، لتبدأ رحلة الصعود الحقيقية.

 

لاحقا، لعب محمد عبد الوهاب دورا مهما في دعمه، إذ قدمه إلى الأوساط الفنية، ووجه له نصيحة ذهبية: أن يكون دائم التعلم، يستمع أكثر مما يتحدث، ويثقف نفسه باستمرار، وقد التزم عبد الحليم بهذه النصيحة، فحرص على القراءة يوميا، في الفن والأدب والعلم، حتى صقل موهبته بالمعرفة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق