بين الشائعات والواقع.. ما قصة اختفاء الأطفال في غزة؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في قطاع غزة، أنباءً عن اختفاء أطفال في ظروف غامضة، بينها طفل من عائلة غبن من بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وانتشرت الأخبار فيما بعد كالنار في الهشيم، وتحولت الحادث الفردية لظاهرة على لسان التيكتوكر والبلوجرز الفلسطينيين.

وفي ظل الأوضاع الإنسانية والأمنية المعقدة التي يعيشها قطاع غزة، تصاعدت حالة القلق المجتمعي المرتبط بتداول مثل هذه الأخبار.

الشرطة تنفي أنباء الاختفاء أو الخطف

من جانبها، نفت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة تلك الأخبار، وقالت إدارة المباحث بالشرطة في غزة، إن ما يتم تداوله بهذا الخصوص لا أساس له من الصحة، حيث لم تسجل لدينا أي واقعة اختطاف على الإطلاق.

وأكدت الشرطة أن تلك الأنباء تأتي في إطار لهو الأطفال بعيدًا عن أماكن سكنهم، أو متعلقة بخلافات أسرية على حضانة الأطفال.

ولفتت الشرطة إلى أنها تتابع البلاغات المعتادة التي ترد من الأهالي عند فقدان أطفالهم، متابعة “نطمئن المواطنين بهذا الشأن، وندعو لعدم تناقل الشائعات والأخبار المغلوطة”.

 

أين يختفي أطفال القطاع؟

من جانبه،  نفى المتحدث محمود بصل الناطق الرسمي باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، صحة هذه الادعاءات، مؤكدًا أن ما يتم تداوله يعكس سوء تعبير وفهمًا غير دقيق لطبيعة الأوضاع الحالية في القطاع.

 

وأوضح بصل، في تصريحات خاصة للـ"الدستور"، أن الحياة في غزة قبل التصعيد كانت تقوم على استقرار نسبي، حيث تعيش العائلات في مناطقها الأصلية التي وُلدت ونشأت فيها، وكانت على دراية كاملة بتفاصيلها الجغرافية ومعالمها، إلا أن الواقع الراهن تغيّر بشكل جذري نتيجة الظروف الأمنية الصعبة، والحصار المستمر، وحالة النزوح الواسعة التي دفعت السكان إلى الانتقال من مناطقهم إلى أماكن أخرى.

 

وأشار إلى أن الكثافة السكانية المرتفعة والتكدس داخل مراكز الإيواء والمدارس والخيام، خاصة في مدينة غزة والمناطق الوسطى، أسهمت في خلق حالة من الارتباك، لا سيما بين الأطفال، فالكثير من العائلات نزحت من شمال القطاع إلى مدينة غزة، بينما انتقل سكان المناطق الجنوبية إلى مناطق وسطى، ما أدى إلى تداخل جغرافي غير مسبوق.

 

وأوضح  بصل أن حالات الضياع التي يتم الحديث عنها غالبًا ما تكون نتيجة هذا الواقع المعقد، حيث قد يخرج الطفل من مدرسته أو مكان إيوائه، ويتوجه عن طريق الخطأ إلى موقع آخر يظنه مألوفًا.. إلا أن هذه الحالات، بحسب تأكيده، يتم التعامل معها بسرعة، إذ تُبذل جهود فورية للبحث عن الطفل، وغالبًا ما يتم العثور عليه خلال ساعات أو في اليوم التالي، سواء عبر المستشفيات أو مراكز الشرطة، ومن ثم إعادته إلى ذويه.

 

وشدد “بصل” أنه لا توجد أي حالات اختطاف موثقة داخل قطاع غزة، موضحًا أن ما قد يُفسر أحيانًا على أنه “اختفاء” قد يكون مرتبطًا بظروف أخرى، مثل التوجه إلى مناطق خطرة أو التعرض لحوادث على خطوط التماس مثل الخط الأصفر ويتم اغتياله وقتله من قبل الاحتلال، أو حتى الاحتجاز من قبل جهات خارجة عن القانون مثل جماعة أبو شباب دون توفر معلومات مؤكدة.

وختم تصريحه بالتأكيد على ضرورة توخي الدقة في تداول المعلومات، خاصة في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي يعيشها القطاع.

 

معلومات غير موثقة 

ومن بيت لاهيا، قال إبراهيم الغندور منسق بالهيئة الوطنية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، من خلال المتابعة والرصد، لم تُسجَّل أي حالة اختطاف لأطفال في قطاع غزة، سواء خلال الفترة الحالية أو في الفترات السابقة قبل الحرب.

وأضاف الغندور في تصريحات خاصة للـ"الدستور"، أن ما يتم تداوله عبر بعض وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي بهذا الخصوص لا يستند إلى معلومات موثوقة، ويُعد غير دقيق.

وأشار الغندور إلى أنه على مدار تاريخ قطاع غزة، لم تُسجَّل ظواهر للجرائم المنظمة بالشكل المتعارف عليه، وإنما تقتصر الحالات النادرة على حوادث فردية عرضية، غالبًا ما تكون نتيجة خلافات عائلية أو ظروف خاصة، ويتم التعامل معها ضمن الأطر المجتمعية والقانونية

 

أبو دية: خطف الأطفال في غزة حالات فردية

واعتبر الإعلامي الفلسطيني سامح أبو دية من مدينة غزة مخيم الشاطئ، أن هذه المخاوف، رغم مشروعيتها، لا تستند إلى واقع يُمكن تصنيفه كـ"ظاهرة"، بل تندرج ضمن حالات فردية محدودة لا تتجاوز المعدلات الطبيعية مقارنة بغيرها من المجتمعات.

وأكد أبو دية، في تصريحات خاصة للـ"الدستور"، أن حوادث الخطف ليست أمرًا استثنائيًا يقتصر على غزة، بل هي جرائم قد تحدث في مختلف دول العالم، وغالبًا ما ترتبط بدوافع معروفة مثل الخلافات المالية أو الرغبة في الانتقام.

وأضاف أن هذه الأنماط من الجرائم، رغم خطورتها، لا تعني بالضرورة وجود ظاهرة منظمة، خاصة في بيئة مثل غزة التي تعاني من ظروف استثنائية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تقييمه للمسألة جاء بعد بحث شخصي مدفوع بمخاوف أسرية، لكونه أبًا لثلاثة أطفال، حيث لاحظ تزايد الحديث بين الأطفال أنفسهم عن حوادث خطف متداولة، ما أثار لديه القلق ودفعه للتحقق من حقيقة الأمر.

وبعد البحث، خلص إلى أن ما يتم تداوله لا يعكس انتشارًا واسعًا أو ممنهجًا لهذه الحوادث، بل هو تضخيم إعلامي لحالات متفرقة.

وشرح أبو دية أن توزيع هذه الحوادث جغرافيًا يُظهر تباعدها وعدم ترابطها، حيث تم تسجيل حالات متفرقة في مناطق مثل بيت لاهيا ودير البلح ومدينة غزة، دون وجود نمط واضح أو شبكة منظمة تقف خلفها.

وأوضح أن هذا التشتت يؤكد الطابع الفردي لهذه الجرائم، ويضعف فرضية وجود ظاهرة متنامية.

وفي تحليله للأسباب المحتملة، يستبعد أبو دية بشكل قاطع فرضية الخطف بدافع طلب الفدية، معتبرًا أن الواقع الاقتصادي في غزة يجعل هذا السيناريو غير منطقي، فمعظم الأسر تعاني من ظروف معيشية صعبة، ما يجعل احتمالية استهدافها لأغراض مالية أمرًا غير مجدٍ، حتى في حال استهداف عائلات ميسورة، يظل هذا السيناريو بعيدًا عن السياق الاجتماعي السائد في القطاع، الذي لم يشهد تاريخيًا مثل هذه الأنماط من الجرائم.

كما رفض فرضية الاتجار بالأعضاء البشرية، مشيرًا إلى غياب البنية الطبية اللازمة لتنفيذ مثل هذه العمليات، سواء من حيث التجهيزات أو الإمكانيات اللوجستية.

وأكد أن هذا النوع من الجرائم يتطلب بيئة طبية متقدمة غير متوفرة في غزة، ما يجعل هذا الاحتمال غير واقعي.

 

وفي مقابل هذه الفرضيات، طرح أبو دية تفسيرًا آخر لما يجري، يتمثل في احتمال وجود تضخيم متعمد لهذه الحوادث بهدف إثارة القلق والبلبلة داخل المجتمع.

ويرى أن إسرائيل قد تكون طرفًا في هذا السياق، من خلال الترويج لمثل هذه الأخبار أو حتى تنفيذ عمليات محدودة تهدف إلى زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي.

ويستند في هذا الطرح إلى ما وصفه بسجل سابق من الممارسات التي تهدف إلى خلق حالة من التوتر داخل القطاع، مشيرًا إلى حوادث قصف متكررة في مناطق مختلفة، مثل مخيم الشاطئ ومدينة غزة، بالإضافة إلى إسقاط منشورات تحريضية تدعو السكان إلى الإبلاغ عن جهات معينة، وهو ما يعزز، بحسب رأيه، مناخ الشك والقلق بين المواطنين.

وفي السياق ذاته، لفت أبو دية إلى أن غياب الأمن والاستقرار نتيجة الظروف السياسية والعسكرية قد يؤدي بطبيعته إلى زيادة في بعض الجرائم الفردية، بما في ذلك حوادث الخطف، لكنه يؤكد أن هذا لا يعني تحولها إلى ظاهرة عامة تستدعي حالة من الهلع المجتمعي.

كما أشار إلى أن الأجهزة الأمنية في غزة، رغم محدودية إمكانياتها، أصدرت بيانات توضيحية نفت فيها وجود ظاهرة خطف أطفال، مؤكدة أن ما تم تسجيله لا يتجاوز كونه حالات فردية.

وأكد “أبو دية” أن هذه البيانات، رغم التحديات التي تواجهها تلك الأجهزة، تتسم بالمنطقية وتنسجم مع المعطيات على الأرض.

 

وشدد أن تضخيم هذه القضايا قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها زيادة حالة الخوف لدى الأطفال وأسرهم، وهو ما لمسه بشكل مباشر داخل منزله، حيث بدأ أطفاله يتداولون هذه الأخبار فيما بينهم، ما انعكس سلبًا على شعورهم بالأمان.

وفي ختام تصريحاته، وجه أبو دية رسالة طمأنة إلى الأهالي ووسائل الإعلام، داعيًا إلى التعامل مع هذه القضايا بعقلانية، وعدم الانجرار وراء الشائعات أو التهويل.

 

وأكد أن الواقع، رغم صعوبته، لا يشير إلى وجود ظاهرة خطف أطفال في غزة، بل إلى حالات محدودة يمكن تفسيرها في إطار الظروف العامة التي يعيشها القطاع.

وخلص إلى أن التركيز يجب أن ينصب على القضايا الأكثر إلحاحًا، مثل الأوضاع الإنسانية والمعيشية، بدلًا من تضخيم أحداث فردية، مؤكدًا أن الوعي المجتمعي والتعامل المسؤول مع المعلومات يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وبث الطمأنينة بين المواطنين.

 

الفرا: فقط حالات فقد نتيجة النزوح

ومن شمال القطاع، قال الاعلامي الفلسطيني عامر الفرا، لا يوجد هذه الظاهرة، ربما الأطفال اختفوا لأن معظمهم نازحين ولا يعرفوا الطرق أو الشوارع والغالبية نازح في غير منطقته لذلك ربما يكون حالة توهان من الطفل.

وأضاف الفرا في تصريحات خاصة للـ"الدستور"، أن أي طفل يتوه أو عائلته تفقده مجرد العثور عليه يتم ارجاعه لأهله.

وأكد الفرا أن الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة مترابط ومتماسك ولديه النخوة والشهامة مهما كانت الظروف.

 

حجي: لا توجد حالا اختفاء في النصيرات

فيما أكدت المواطنة مريم حجي، المقيمة في مخيم النصيرات، عدم تسجيل أي حوادث موثقة من هذا النوع داخل المنطقة، مشيرة إلى أن ما يُثار يفتقر إلى أدلة واضحة أو تأكيدات رسمية.

وأوضحت حجي، في تصريحات خاصة للـ"الدستور"، أن مخيم النصيرات يُعد من المناطق الغربية البعيدة نسبيًا عن الحدود، ما يجعل من الصعب حدوث عمليات اختطاف داخلي دون أن يتم رصدها أو تداول معلومات دقيقة بشأنها.

وأضافت أن طبيعة المجتمع في غزة، الذي يتميز بتقارب السكان ومعرفتهم ببعضهم البعض "حارتنا ضيقة" في إشارة لمعرفة الناس بعضهم البعض، تسهم في سرعة اكتشاف أي حوادث غير اعتيادية.

ورغم ذلك، لم تستبعد حجي احتمال تورط الاحتلال في بعض الحالات الغامضة، خاصة في المناطق القريبة من الحدود، معتبرة أنه الجهة الرئيسية التي تقف وراء غالبية الأزمات في القطاع.

وأشارت إلى أن غياب تحركات رسمية أو بيانات صادرة عن جهات مختصة يعود إلى الظروف الأمنية المعقدة، حيث تتعرض الأجهزة الشرطية نفسها للاستهداف، ما يحد من قدرتها على المتابعة والإعلان.

كما لفتت إلى أن بعض التفسيرات المتداولة حول الاختفاء قد ترتبط بأسباب اجتماعية أو عائلية، مثل النزاعات الداخلية أو الرغبة في الإضرار بطرف معين، مؤكدة أن هذه الاحتمالات تبقى فردية وغير مؤكدة.

وشددت حجي على أن الحديث عن حالات خطف منظمةداخل غزة لا يستند إلى وقائع مثبتة حتى الآن، داعية إلى تحري الدقة قبل نشر أو تداول مثل هذه الأخبار، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية والأمنية الحساسة التي يعيشها سكان القطاع، والتي تتطلب مسؤولية أكبر في نقل المعلومات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق