سلاح المصادرة والترهيب.. قمع الإيرانيين بالخارج يمتد إلى جيوبهم وعائلاتهم

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ شهر يناير الماضي، الذي لُقب بـ "يناير الدموي" نتيجة الهجمة القمعية الشرسة التي شنها النظام ضد المحتجين، انتقلت المعركة إلى الساحة الدولية بشكل غير مسبوق، حيث تصاعدت وتيرة قمع الإيرانيين بالخارج عبر آليات قانونية ومالية جديدة تهدف إلى خنق أصوات المعارضين الذين تحولوا إلى سفراء للمظلومية في عواصم العالم الكبرى، محاولين نقل صرخات الداخل إلى مراكز صناعة القرار العالمي.

حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن هذه التحركات الاحتجاجية لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل تحولت إلى حراك منظم ومستمر طوال الأشهر الثلاثة الماضية، مما وضع السلطات في طهران أمام مأزق دبلوماسي معقد، خاصة مع استثمار المحتجين لوسائل الإعلام الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي لبناء جسور تواصل مع شخصيات سياسية وهيئات مرجعية دولية مؤثرة، مما زاد من تعرية انتهاكات النظام.

أدرك النظام الإيراني أن أدواته التقليدية في القمع المباشر والاعتقال لا يمكنها الوصول إلى ملايين المهاجرين، فبدأ بتطوير استراتيجيات بديلة تعتمد على استهداف الممتلكات الشخصية والعائلات المتبقية داخل البلاد، حيث أصبح التهديد بمصادرة العقارات والأرصدة البنكية وسيلة ضغط أساسية لإسكات النشطاء، في محاولة لفرض العزلة عليهم وقطع روابطهم المادية بوطنهم الأم كعقاب على نشاطهم السياسي المستمر.

أعلن المدعي العام الإيراني، محمد كاظم موحدي آزاد، مؤخراً عن إجراءات قضائية صارمة تمنع الإيرانيين المغتربين من تنظيم الوكالات القانونية عبر نظام "سامانه ميخك" الإلكتروني، وهو ما يمثل شللاً إدارياً كاملاً للمغتربين الذين يحتاجون لتدبير شؤونهم المالية أو العقارية داخل إيران دون الحضور شخصياً، مما يضع آلاف العائلات في مواجهة مباشرة مع خطر ضياع حقوقهم وممتلكاتهم الموروثة.

تأتي هذه القيود في ظل توقف الرحلات الجوية المباشرة إلى إيران، مما يجعل العودة لإتمام المعاملات الإدارية ضرباً من المستحيل، ويجبر الراغبين في السفر على سلك طرق برية شاقة ومحفوفة بالمخاطر الأمنية، وهذا الحصار الإداري ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو جزء من خطة شاملة تهدف إلى تعميق قمع الإيرانيين بالخارج عبر تجريدهم من حقوقهم المدنية الأساسية.

حرب الأرصدة ومنصة "ميخك" القنصلية

يهدف قرار تعطيل الخدمات القنصلية عبر المنصات الإلكترونية بشكل أساسي إلى تهيئة الأرضية القانونية لمصادرة أموال المعارضين تحت ذريعة مكافحة التجسس، حيث أشار المدعي العام بوضوح إلى أن القوانين الحالية تسمح بتجميد ونقل ملكية أصول أي شخص يثبت تورطه في أنشطة معادية للدولة، وهو تعريف فضفاض يشمل المشاركة في المظاهرات السلمية أو الكتابة الناقدة في الصحافة الدولية.

أكد موحدي آزاد أن الجمهورية الإسلامية لن تتسامح مع من يعملون لمصلحة من وصفهم بـ "الأعداء" وهم يتمتعون بمصالح مادية وأملاك داخل البلاد، مشدداً على أن العزم القضائي جاد للغاية في هذا المسار، مما يعني تحويل الجهاز القضائي إلى أداة جباية وانتقام سياسي، حيث تُحال الآن كافة الوكالات القانونية إلى النيابة العامة للمراجعة والتدقيق الأمني قبل اعتمادها.

بالتوازي مع هذه التصريحات، بدأت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري، مثل وكالة "فارس"، بنشر قوائم سوداء تضم مئات الأسماء لأشخاص صودرت أموالهم بالفعل، وتضم القائمة أكثر من 400 شخصية، بينهم صحفيون بارزون يعملون في مؤسسات إعلامية دولية، مما يعكس رغبة النظام في تحويل قمع الإيرانيين بالخارج إلى عملية مؤسسية منظمة تشمل الجوانب المالية والمهنية والاجتماعية.

لا تقتصر هذه الإجراءات على الانتقام السياسي فحسب، بل تمثل مصدراً لتمويل النظام الذي يئن تحت وطأة أزمات اقتصادية خانقة وعقوبات دولية مشددة، حيث بدأت جهات موالية تطالب علناً بتوزيع الأموال المصادرة على مؤسسات تابعة للنظام، مما يحول عملية القمع إلى "غنائم حرب" يتم تقاسمها بين الأجنحة المتشددة لضمان ولائها واستمرار قبضتها الأمنية.

يعيش اليوم ما يقرب من ثمانية ملايين إيراني في الشتات، وهو مجتمع تشكل عبر عقود من النفي القسري والهروب من العنف الممنهج، وقد نجحت هذه "الدياسبورا" في تحويل تجاربها الأليمة إلى فعل جماعي عابر للحدود، وأصبح هؤلاء المغتربون يشكلون اليوم جبهة موحدة تسعى لنزع الشرعية عن السلطة الحاكمة في طهران أمام الرأي العام والمحافل الحقوقية الدولية.

دبلوماسية الترهيب وتآكل الشرعية الدولية

شهدت المدن الكبرى في مختلف القارات، من واشنطن إلى برلين وباريس، تجمعات حاشدة تزامنت مع انطلاق احتجاجات ديسمبر 2025، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بوقف سياسة المهادنة مع طهران، مشددين على أن أي حوار مع النظام يجب أن يشترط وقف الانتهاكات في الداخل ووقف قمع الإيرانيين بالخارج الذين يتعرضون للملاحقة والتهديد حتى وهم في أقصى بقاع الأرض.

يدرك صانعو القرار في طهران أن هذه الاحتجاجات الخارجية ليست مجرد ضجيج إعلامي، بل هي تهديد مباشر لشرعيتهم الدولية، وهو ما أقر به وزير الخارجية الحالي عباس عراقجي في وقت سابق، حين اعتبر أن هذه التجمعات تضع النظام في موقف محرج وتدفع القوى الكبرى للتردد في إبرام اتفاقات اقتصادية أو سياسية مع إيران خوفاً من ضغوط الرأي العام.

يعمل عراقجي اليوم، بالتنسيق مع السلطة القضائية، كمهندس لعمليات الضغط القنصلي، حيث يتم استخدام السفارات والخدمات الإدارية كأدوات عقابية لا كجهات لخدمة المواطنين، ويتمثل الهدف النهائي في دفع المغتربين إلى الصمت خوفاً على عائلاتهم في الداخل أو على ما تبقى لهم من مدخرات وعقارات، مما يعكس تحول الدبلوماسية الإيرانية إلى واجهة أمنية.

تجميد الوكالات القانونية تمنع الآلاف من بيع منازلهم أو إدارة ورثهم

إن استراتيجية تجميد الوكالات القانونية تمنع الآلاف من بيع منازلهم أو إدارة ورثهم، مما يربط مصيرهم المالي بشكل قسري بإرادة الأجهزة الأمنية، وهذا النوع من الضغط يهدف إلى كسر الروح المعنوية للنشطاء وإشعارهم بأن ثمن المعارضة سيمتد ليشمل حرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية، وهو ما يمثل ذروة قمع الإيرانيين بالخارج عبر وسائل "ناعمة" لكنها قاتلة اقتصادياً.

تستمر التوترات في التصاعد مع إصرار المجتمع الإيراني في المنفى على مواصلة نضاله، مؤكدين أن المصادرات المالية لن تزيدهم إلا إصراراً على كشف الوجه الحقيقي للنظام، وفي المقابل، يبدو أن السلطة في طهران قد استنفدت خياراتها السياسية ولم يتبقَ لها سوى سلاح الترهيب المالي وتشويه سمعة المعارضين عبر اتهامات التجسس والعمالة للخارج.

يظل المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد، حيث يراقب المجتمع الدولي بقلق هذه الإجراءات التي تنتهك القوانين الدولية المتعلقة بحماية الملكية وحقوق الإنسان، بينما يواصل الإيرانيون في الشتات تنظيم صفوفهم لمواجهة موجة قمع الإيرانيين بالخارج، مؤكدين أن صوت الحق الذي انطلق من شوارع طهران لن تخنقه قرارات المصادرة أو جدران العزلة التي يحاول النظام بناءها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق