اقتحم التوتر أروقة السلطة في واشنطن مع ظهور مفاجئ لمدعين عامين أميركيين في مقر الاحتياطي الفيدرالي ضمن تحقيقات وزارة العدل. تهدف هذه التحركات غير المتوقعة إلى تقصي الحقائق حول مشروع تجديد ضخم يشرف عليه رئيس البنك جيروم باول بكلفة باهظة. تعكس هذه الزيارة عمق الخلافات القانونية والسياسية التي باتت تحيط بقدسية واستقلالية البنك المركزي الأميركي في عهد الإدارة الحالية.
وحسب تقرير لـ "بلومبرغ" ووكالات الأنباء، حاول ثلاثة مسؤولين من وزارة العدل الدخول عنوة إلى موقع البناء داخل مقر الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، اصطدمت هذه المحاولة بمنع أمني حازم استند إلى بروتوكولات السلامة والتصاريح الرسمية المطلوبة لدخول منشآت حساسة. تجسد هذه الواقعة ذروة الصراع العلني بين أجهزة السلطة التنفيذية والبنك المركزي الذي يحاول الحفاظ على كيانه.
صدام قضائي ورسائل احتجاجية من العيار الثقيل
لم يتأخر الرد القانوني من جانب البنك المركزي، حيث وجه المستشار القانوني روبرت هور رسالة شديدة اللهجة لوزارة العدل. اعتبر هور في رسالته أن محاولة التسلل إلى مقر الاحتياطي الفيدرالي تمثل التفافاً غير مقبول على المسارات القضائية الرسمية والمعتادة. وأكد أن القضاء سبق ووصف مبررات التحقيق في تكاليف التجديد بأنها مجرد ذريعة لغايات سياسية أعمق تستهدف القيادة.
وشدد المستشار القانوني في مخاطباته الرسمية على ضرورة حصر جميع سبل التواصل عبر القنوات القانونية المعتمدة بعيداً عن المفاجآت الميدانية. وطالب وزارة العدل بالالتزام الصارم بعدم التواصل مع موكليه في مقر الاحتياطي الفيدرالي إلا بوجود الفريق القانوني المختص. تأتي هذه المطالبات في وقت يسعى فيه البنك المركزي لصد ما يصفه بحملات ترهيب قانونية ممنهجة.
من الجانب الآخر، دافعت المدعية جينين بيرو عن التحرك الميداني، مؤكدة أن القضايا المالية لا يمكن التعامل معها بليونة. وأوضحت أن تجاوز تكاليف مشروع التجديد بنسبة تصل إلى ثمانين بالمئة يضع علامات استفهام كبرى حول إدارة الأموال العامة. واعتبرت أن المسؤولين عن السياسة النقدية يجب أن يكونوا أول من يلتزم بالشفافية المالية في إنفاق ميزانيات البنك.
تداعيات سياسية تهدد خلافة باول في البنك المركزي
تلقي هذه الأزمة بظلال كثيفة على عملية تثبيت كيفن وورش، مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي خلفاً لباول. وقد أعلن السيناتور الجمهوري ثوم تيليس موقفاً مفاجئاً بربط دعمه للمرشح بانتهاء التحقيقات الجارية حول مقر الاحتياطي الفيدرالي. هذا الموقف يضع الأغلبية الجمهورية الضئيلة في مجلس الشيوخ أمام اختبار حقيقي قد يفشل تعيين وورش المرتقب.
تاريخ الخلاف يعود إلى حملات شنها الرئيس ترمب ضد جيروم باول منذ عامه الأول في السلطة بسبب أسعار الفائدة. واتهم ترمب إدارة البنك بسوء الكفاءة، مشيراً مراراً إلى مشروع تجديد المباني التاريخية في "ناشونال مول" كدليل على ذلك. ورغم زيارة ترمب السابقة لموقع البناء برفقة باول، إلا أن التهديدات بالإقالة والملاحقة القضائية ظلت سيفاً مصلتاً.
كلفة المليارات تحت مجهر الرقابة والرفض القضائي
بلغت تقديرات كلفة تجديد المباني التابعة للبنك المركزي نحو مليارين ونصف المليار دولار، وهو رقم أثار حفيظة المشرعين والمدعين. وقد دافع باول أمام الكونجرس عن هذه النفقات، نافياً أن تكون الفخامة الزائدة هي السبب وراء ارتفاع الفاتورة النهائية. ورغم ذلك، تصر وزارة العدل على ملاحقة خيوط الإنفاق عبر مذكرات استدعاء حاول قاضٍ فيدرالي مؤخراً وقف تنفيذها.
إن الصراع الدائر الآن يتجاوز مجرد خلاف على أعمال بناء، ليصل إلى جوهر استقلالية القرار الاقتصادي الأميركي بعيداً عن السياسة. فبينما يرى البعض التحقيقات ضرورة لحماية المال العام، يراها فريق باول محاولة لتقويض سلطة البنك المركزي وإخضاعه للبيت الأبيض. ويبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد القانوني في ظل رفض البنك استقبال المحققين دون إجراءات مسبقة ومعقدة.














0 تعليق