أكد خبراء وسياسيون عرب أن استمرار إغلاق المضيق سيؤدى إلى اضطراب واسع فى أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار النفط بشكل غير مسبوق، إضافة إلى تهديد حركة الملاحة الدولية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية للضغط نحو استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وقال الخبراء إن أى تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة فى الخليج العربى سيؤثر بشكل مباشر على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ويزيد من حدة التوترات الإقليمية، الأمر الذى يضع المجتمع الدولى أمام مسئولية عاجلة لإيجاد حلول سياسية تضمن إعادة فتح المضيق واستقرار المنطقة.
عايد المناع: تأثيره مباشر على استقرار أسواق النفط والغاز
حذّر الكاتب السياسى الكويتى عايد المناع من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، واصفًا هذه الخطوة بأنها عمل عدوانى غير مبرر، نظرًا لأهمية المضيق كممر مائى دولى طبيعى لا يخضع لسيادة دولة بعينها، بل يمثل شريانًا حيويًا لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وأوضح «المناع» أن استخدام المضيق كورقة ضغط من قبل إيران يُعد تطورًا لافتًا فى سياق التوترات الحالية، مشيرًا إلى أن هذا النهج لم يكن سائدًا فى السابق، بل جاء فى ظل تصاعد المواجهة الإقليمية والدولية، مضيفًا أن هذا التصرف يواجه رفضًا واسعًا من المجتمع الدولى، نظرًا لتأثيره المباشر على استقرار أسواق النفط والغاز.
واعتبر أن طهران تسعى من خلال هذه الخطوة إلى الضغط على القوى الدولية لإيجاد مخرج للأزمات التى تواجهها، متوقعًا أن تسهم الجهود الدبلوماسية، بما فى ذلك الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الوساطات الإقليمية والدولية فى احتواء التصعيد.
وأشار إلى دور محتمل لدول مثل باكستان وتركيا ومصر، إضافة إلى دعم صينى وضغوط روسية، فى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية، لافتًا إلى أن الحضور الأمريكى المتزايد فى المنطقة يعكس شعورًا بالمسئولية تجاه تداعيات الأزمة، خاصة فيما يتعلق بتهديد الملاحة الدولية.
وختم بالقول إن تضافر الضغوط الدولية والوساطات قد يدفع إيران إلى إعادة حساباتها وتجنب مزيد من التصعيد، بما يحفظ مصالح الدول المستفيدة من هذا الممر الحيوى.
نيفين وهدان: التدخل العسكرى لفتحه قد يؤدى إلى كارثة تهدد استقرار الإقليم
قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، يمثل إغلاق مضيق هرمز انعكاسًا للنموذج الكلاسيكى لمفهوم تسييس الممرات البحرية الاستراتيجية، حيث يتم استخدام نقاط الاختناق كأداة للضغط السياسى لإدارة الصراع العسكرى بعيدًا عن الاعتبارات الاقتصادية والتجارية لتلك المسارات.
وأضافت «وهدان» أنه فى ظل التطورات المتلاحقة المرتقبة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، لم يعد السؤال يتعلق بالطرق التى يمكن أن تؤدى إلى فتح المضيق، بل بالتشريعات والضوابط الدولية التى لا بد أن يُعاد النظر فيها بعد انتهاء هذه الأزمة، بعد أن أصبح المضيق ورقة تفاوضية قد تعيد النظر فى التوازنات السياسية الإقليمية والدولية.
وأوضحت أن مسألة فتح المضيق تتمحور حول مسارين لا ثالث لهما: المسار القسرى، والمسار الدبلوماسى التفاوضى، مضيفة أن المستويين يتجهان فى طريق واحد فى النظام الدولى حاليًا، فيما يُعرف بالدبلوماسية التفاوضية القسرية، حيث يتم التفاوض بين الطرفين تحت ضغط عسكرى محدود.
وتابعت: «إيران اليوم لا تتعامل مع إغلاق المضيق على أنه خطوة عابرة، بل أداة لإعادة تعريف مبدأ حرية الملاحة التى تضمنته الاتفاقيات البحرية للأمم المتحدة إلى مبدأ السيادة المشروطة لعبور السفن».
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحلفاءها تركز على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ١٩٨٢، والتى تُقر حق المرور للسفن فى المضائق الدولية، وهو ما حوّل الصراع إلى أزمة قانونية دولية لا بد أن يُعاد فيها تفسير ضوابط النظام البحرى الدولى من خلال الأمم المتحدة، وليس من خلال دول لها دور أو مصالح مباشرة فى هذه الأزمة.
وحول تصريحات بعض الدول الأوروبية بشأن تشكيل تحالف دولى لفتح المضيق بالقوة، قالت «وهدان»: «تُعد أمرًا يزيد من تعقيد الأزمة استراتيجيًا وعسكريًا فى ظل الظروف الراهنة، مع امتلاك إيران قدرات ردع تتمثل فى الألغام البحرية والطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية، وهو ما يجعل العواقب فى حالة التدخل العسكرى غير متوقعة، بل من الممكن أن تؤدى إلى كارثة حقيقية تهدد أمن واستقرار المنطقة، وهو ما يجعل هذه التصريحات، فى إطارها العام، مجرد وسيلة ضغط تفاوضية تستخدمها الدول الكبرى، وليس الغرض منها الدخول فى مواجهة مباشرة لا يمكن احتواؤها».
وتابعت: «لا بد من الإشارة إلى صدمة النظام الاقتصادى الدولى من هذا الإغلاق، حيث يمر من المضيق ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما سينعكس على أسعار الطاقة عالميًا، ويزيد من معدلات التضخم، حتى وإن استطاعت بعض الدول الخليجية الخروج جزئيًا من تداعيات هذه الأزمة باستخدام خطوط بديلة وفك الحصار عن روسيا، إلا أنه يظل اختناقًا اقتصاديًا تتحكم فيه الجغرافيا السياسية».
وأكدت أن الأزمة التى تشهدها المنطقة جراء غلق مضيق هرمز لن تُحل عبر مسار أحادى، بل من خلال توازن يجمع بين الضغط والتفاوض، يراعى الاعتبارات السيادية والقوانين الدولية من جهة، ومتطلبات النظام الاقتصادى العالمى من جهة أخرى.
واختتمت بقولها: «المشكلة لا تنحصر فى إمكانية فتح المضيق فقط، بل فى وضع ضوابط دولية قوية يمكن التعويل عليها مستقبلًا، وهو ما يجعل هذه الأزمة بمثابة إعادة تأسيس لتعريف العلاقة بين القوة والقانون فى السيطرة على الممرات البحرية الدولية».
تمارا حداد: المفاوضات هى الحل الأقل تكلفة.. والتصعيد تداعياته خطيرة وسيجعل الجميع يعانى
أكدت الدكتورة تمارا حداد، أستاذة العلوم السياسية الفلسطينية، أن مضيق هرمز إحدى أخطر نقاط الاختناق فى العالم، ليس فقط جغرافيًا بل اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا.
وأوضحت حداد: «هذا الممر الضيق الذى يربط الخليج بالمحيط الهندى يمر عبره نحو ٢٠٪ من استهلاك النفط العالمى وأكثر من ثلث تجارة الطاقة البحرية، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولى، ولذلك فإن أى إغلاق له لا يُعد أزمة إقليمية فحسب، بل زلزالًا عالميًا بكل المقاييس».
وأضافت أن أزمة إغلاق المضيق قد تنتهى بالمفاوضات أو الحل العسكرى، ويعد الخيار الأول الأقل تكلفة والأكثر ترجيحًا لعدة أسباب، منها أن إغلاق المضيق يضر حتى بالدولة التى تُغلقه؛ فمثلًا تعتمد إيران نفسها على المضيق لتصدير نفطها، والقوى الكبرى «أمريكا والصين والاتحاد الأوروبى» لديها مصلحة مباشرة فى إعادة فتحه سريعًا، والاقتصاد العالمى لا يحتمل أزمة طاقة طويلة، لذلك، غالبًا ما تتحرك الوساطات الدولية سريعًا لخفض التصعيد، لأن استمرار الإغلاق قد يدفع العالم إلى ركود اقتصادى.
ولفتت إلى أن هناك خيارًا آخر وهو التحالف الدولى العسكرى، وهو الحل القسرى؛ فإذا فشلت المفاوضات سيتجه العالم إلى الخيار الثانى، وهو تشكيل تحالف دولى لحماية الملاحة أو فتح المضيق بالقوة.
وذكرت أن الولايات المتحدة قد تقود تحالفًا بحريًا لتأمين مرور السفن، والهدف منه ليس الحرب الشاملة، بل فرض حرية الملاحة، لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، منها احتمال اندلاع مواجهة أخرى مباشرة مع إيران، وتوسيع الحرب إلى الخليج أو الشرق الأوسط بالكامل واستهداف منشآت نفطية وممرات بحرية أخرى.
ونوهت بأن التحالف العسكرى خيار ممكن، لكنه خطير وقد يشعل حربًا إقليمية واسعة، ورغم أهميته، هناك محاولات لتقليل الاعتماد عليه مثل خطوط أنابيب برية فى السعودية والإمارات وموانئ بديلة على البحر الأحمر وخليج عمان، لكن هذه البدائل لا تستطيع تعويض الكميات الضخمة بالكامل، إذ يمر عبر المضيق يوميًا ما بين ١٦ و٢٠ مليون برميل.
وقالت إنه لا يوجد حتى اللحظة بديل حقيقى كامل لمضيق هرمز، مشيرة إلى أن استمرار غلق المضيق سيسبب صدمة فى أسعار الطاقة؛ فقد ترتفع أسعار النفط إلى ١٢٠ أو ١٥٠ دولارًا للبرميل خلال أيام، كما سترتفع أسعار الغاز، خاصة فى أوروبا المعتمدة على الغاز الخليجى.
وتابعت: «ستحدث أزمة اقتصادية عالمية وستتعطّل سلاسل التوريد والتجارة العالمية، وسترتفع تكاليف النقل والغذاء، وسيزيد التضخم، وقد يتوقف نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يعنى حدوث شلل فى الأسواق».
وأضافت: «كما ستتضرر الدول الآسيوية، مثل الصين والهند واليابان، التى تعتمد بشدة على نفط الخليج، وأى توقف سيؤثر على الصناعة والإنتاج العالمى».
وأكدت أنه ستكون هناك تداعيات إقليمية خطيرة؛ إذ ستواجه دول الخليج صعوبات فى التصدير وسيتصاعد التوتر العسكرى فى المنطقة مع احتمال توسع الحرب إلى أكثر من جبهة، وستعانى الدولة المُغلِقة نفسها من الخسائر، والمفارقة أن إغلاق المضيق سلاح ذو حدين؛ يمنع الدولة من تصدير نفطها ويضغط على اقتصادها الداخلى. وأوضحت أن السيناريو الأكثر ترجيحًا بالنظر إلى حجم المخاطر هو تصعيد محدود وتهديدات بالإغلاق وتدخل دولى سريع للوساطة وعودة الملاحة بشكل جزئى أو كامل، أما الإغلاق الطويل، فهو سيناريو كارثى لا يتحمله أحد، بما فى ذلك الأطراف المتصارعة.
وشددت على أن أزمة مضيق هرمز ليست مجرد أزمة ممر بحرى، بل اختبار للنظام الدولى بأكمله، والعالم أمام خيارين إما الدبلوماسية أو القوة، لكن كلفة القوة مرتفعة جدًا، ما يجعل المفاوضات الطريق الأقرب.
وقالت: «تبقى الحقيقة الأهم؛ ما دامت بقيت التوترات فى الشرق الأوسط دون حل جذرى، سيظل مضيق هرمز نقطة اشتعال قابلة للانفجار فى أى لحظة».

















0 تعليق