تزخر مصر بكنوز ثقافية وفنية متنوعة، تمتد عبر عصورها المختلفة، وتمثل متاحفها نافذة حقيقية على تاريخها وهويتها، ومن هنا تأتي أهمية إطلاق سلسلة أسبوعية لتسليط الضوء على متاحف مصر، كل حلقة منها تعرض متحفًا مختلفًا، للتعريف بالمقتنيات الفنية والتاريخية التي تحتضنها هذه الصروح، ولفتح باب الوعي الثقافي أمام الجمهور، خاصة الطلاب والشباب.
تأتي المبادرة ضمن برنامج وزارة الثقافة تحت عنوان "فرحانين بالمتحف الكبير.. ولسه متاحف مصر كتير"، والذي أطلقته الوزارة في إطار مبادرة "عزة الهوية المصرية"، ويهدف لتعريف الجمهور بمقتنيات المتاحف المصرية المتنوعة، وغرس قيم احترام التراث والحفاظ على الهوية الوطنية.
قصر ملكي تحول إلى متحف
في قلب حي المطرية، يقف متحف الأمير وحيد سليم شاهدًا على حقبة أرستقراطية مميزة، إذ كان في الأصل قصرًا ملكيًا ارتبط بتاريخ الأسرة العلوية. وقد بدأ القصر كاستراحة للأمير يوسف كمال، قبل أن يهديه إلى الأميرة شويكار بمناسبة زواجها.
وفي أربعينيات القرن الماضي، أعيد بناء القصر وتجديده ليصبح تحفة معمارية متكاملة، قبل أن يستقر فيه الأمير وحيد الدين سليم عقب عودته من فرنسا عام 1939، ليعيش فيه حتى وفاته عام 1995.
الأمير المثقف وعاشق التحف
وُلد الأمير وحيد الدين سليم في 20 يناير 1919، وتلقى تعليمه في فرنسا، ما انعكس على ذوقه الرفيع وثقافته الواسعة. عُرف بشغفه الكبير بالتحف النادرة والمقتنيات الفنية، كما كان كثير السفر، محبًا للاطلاع على الفنون الأوروبية واقتناء القطع المميزة من المزادات.
وعاش الأمير حياة هادئة داخل القصر، دون زواج، وظل متمسكًا بمكانه الذي احتفظ فيه بمقتنيات نادرة وكتب قيمة، حتى رحيله في ديسمبر 1995.
من التأميم إلى افتتاح المتحف
بعد ثورة 23 يوليو، خضع القصر لإجراءات التأميم، إلا أن الأمير ظل مقيمًا فيه حتى وفاته. وبعد رحيله، صدر قرار جمهوري عام 1996 بتخصيص القصر لوزارة الثقافة، ليُفتتح رسميًا كمتحف عام 1998، تابعًا لقطاع الفنون التشكيلية.
ومنذ ذلك الحين، تحول المكان إلى صرح ثقافي يضم جانبًا مهمًا من تاريخ الطبقة الأرستقراطية المصرية، ويكشف تفاصيل الحياة اليومية داخل القصور الملكية.
عمارة أوروبية وحديقة نادرة
يمتد المتحف على مساحة تقترب من 14 ألف متر مربع، وسط حديقة واسعة تضم أشجار نخيل ونباتات نادرة، تتوسطها نافورة رخامية، فضلًا عن مسرح صغير ومساحات خضراء تضفي على المكان طابعًا خاصًا.
ويحيط بالمبنى سور خارجي، فيما تستقبل الزائر تماثيل رخامية مثبتة على قواعد برونزية، تقود إلى مدخل رئيسي تعلوه أعمدة رخامية تضفي على القصر طابعًا فخمًا.
تفاصيل داخلية تحكي الذوق الملكي
يضم الطابق الأول بهوًا فسيحًا مكسوًا بالرخام الأسود والأبيض والوردي المستورد من إيطاليا، وتزينه زخارف نباتية مذهبة وأفاريز دقيقة، وتطل على البهو أربع غرف رئيسية، أبرزها الصالون الأول الذي يتصدره بورتريه كبير لـمحمد علي باشا، إلى جانب زخارف فرنسية وأرضيات خشبية فاخرة.
أما الصالون الثاني، فيتميز بديكورات فرنسية راقية، وجدران مبطنة بالستان الوردي، ومدفأة رخامية، وتمثال نصفي لـإبراهيم باشا، فضلًا عن ثريا ضخمة تضفي على المكان مزيدًا من الفخامة.
ويضم القصر كذلك مكتبة نادرة تحتوي على كتب بالفرنسية، وغرفة سفرة، فيما يضم الطابق الثاني الجناح الخاص بالأمير وعددًا من الغرف التي تعكس أسلوب الحياة الملكية.
خطة تطوير جديدة في 2025
ضمن جهود الدولة للحفاظ على التراث، أعلنت وزارة الثقافة في 2025 إطلاق مشروع شامل لتطوير المتحف، عبر تحديث وسائل العرض والاستعانة بأحدث التقنيات التفاعلية، بالتعاون مع وزارة الاتصالات.
ويستهدف المشروع تحويل المتحف إلى مركز إشعاع ثقافي وفني، يربط بين التراث والحداثة، ويعيد تقديم هذا القصر التاريخي للأجيال الجديدة بصورة أكثر جذبًا وثراءً.













0 تعليق