تتسارع وتيرة الأحداث الميدانية والسياسية بشكل دراماتيكي فوق الأراضي في العراق، حيث باتت المنشآت الدبلوماسية والقواعد العسكرية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية الكبرى. إن الهجمات الأخيرة التي وقعت ليل السبت والأحد تمثل تحولاً نوعياً في مسار المواجهة، إذ لم تعد تقتصر على مجرد التحرش العسكري، بل انتقلت إلى مرحلة استهداف الكوادر الدبلوماسية بشكل مباشر، مما يضع السيادة الوطنية والالتزامات الدولية على المحك في هذا التوقيت الحرج.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ووكالة الأنباء الفرنسية، فإن فصائل عراقية مسلحة موالية لطهران نفذت هجومين متزامنين على منشآت تابعة للولايات المتحدة. هذه العمليات جاءت في سياق محاولات صريحة لاغتيال دبلوماسيين أميركيين يعملون في العاصمة بغداد وفي إقليم كردستان. وقد أكدت السفارة الأميركية أن هذه الهجمات الشنيعة تزيد من تعقيد المشهد الأمني المتدهور أصلاً منذ بدء الصراع الإقليمي الواسع الذي اندلع في المنطقة أواخر شهر فبراير الماضي.
تعود جذور هذا التصعيد العنيف إلى الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026، إثر هجوم أميركي إسرائيلي مشترك استهدف العمق الإيراني. ومنذ ذلك الحين، امتدت ألسنة اللهب لتطاول الجغرافيا في العراق، حيث بدأت الجماعات المنضوية تحت لواء "المقاومة الإسلامية" بشن هجمات يومية. وتستخدم هذه الجماعات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لضرب ما تصفه بقواعد "العدو" المنتشرة في عدة مناطق استراتيجية وحيوية.
تتمتع الولايات المتحدة بحضور دبلوماسي وعسكري وازن، حيث تدير بعثة ضخمة تضم سفارة محصنة في المنطقة الخضراء ببغداد وقنصلية عامة في مدينة أربيل. ومع استمرار العمليات العسكرية، باتت هذه المقرات أهدافاً دائمة للمسيرات الانتحارية التي تحاول اختراق الدفاعات الجوية. ورغم نجاح منظومات "سيرام" في اعتراض معظم المقذوفات، إلا أن الضغط المستمر أثار مخاوف جدية بشأن سلامة الطواقم الدبلوماسية المتبقية التي تمثل واجهة الحضور الأميركي في المنطقة.
وفي بيان شديد اللهجة، قال متحدث باسم السفارة الأميركية إن الميليشيات الإرهابية العراقية الموالية لإيران نفذت هجومين شنيعين خلال الليلة الماضية. وأوضح البيان أن هذه المحاولات كانت تهدف بشكل مباشر إلى تصفية جسدية لموظفين رسميين يمثلون السيادة الأميركية. وأضاف المتحدث أن واشنطن حثت الحكومة الاتحادية مراراً على الالتزام بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية لوقف هذه الاعتداءات التي تنطلق من داخل الحدود، ومنع استخدام الأراضي لتهديد البعثات الأجنبية.
غضب كردستان وعجز الحكومة الاتحادية في مواجهة الفصائل
في سياق متصل، أعرب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني عن إدانته الشديدة للهجمات التي وصفها بالعمليات الإرهابية الشنيعة ضد القنصلية الأميركية. وأشار بارزاني إلى أن الميليشيات الخارجة عن القانون لم تستهدف الدبلوماسيين فحسب، بل طاولت اعتداءاتها مناطق مدنية مأهولة بالسكان في أربيل. واعتبر أن هذا السلوك يمثل تهديداً مباشراً لأمن الإقليم واستقراره الاقتصادي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الشراكات الدولية والشركات الأجنبية العاملة هناك.
وطالب بارزاني، عبر منصة "إكس"، الحكومة المركزية في بغداد بضرورة اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة وملموسة ضد هذه الجماعات المسلحة التي تضرب بعرض الحائط سيادة الدولة. ويرى مراقبون أن صرخة أربيل تعكس حالة من الإحباط العميق تجاه قدرة القوات الأمنية الاتحادية على لجم الفصائل. فالواقع الميداني يشير إلى أن هذه الجماعات تمتلك ترسانة عسكرية متطورة تسمح لها بشن هجمات عابرة للمحافظات، مما يضع الدولة في موقف الضعيف العاجز عن التنفيذ.
كانت السفارة الأميركية قد رفعت من مستوى تحذيراتها الأمنية يوم الخميس الماضي، مشيرة إلى معلومات استخباراتية تفيد بنية الفصائل تنفيذ هجمات وشيكة. واعتبرت السفارة في تحذيرها أن السلطات المحلية لم تتمكن من توفير الضمانات الكافية لمنع وقوع هذه الكوارث الأمنية. ورغم تعهد بغداد ببذل "أقصى الجهود" لتجنب التصعيد، إلا أن الواقع على الأرض أثبت أن الفصائل هي من تمتلك زمام المبادرة في تحديد توقيت ومكان الضربات الصاروخية.
لم ترصد التقارير الميدانية أي هجوم مباشر على السفارة في بغداد منذ الثامن عشر من مارس الماضي، بفضل هدنة مؤقتة أعلنتها بعض الفصائل. فقد أعلنت كتائب "حزب الله" العراقية في وقت سابق عن وقف مشروط للعمليات العسكرية ضد السفارة لمدة خمسة أيام. هذه المهلة تم تمديدها مرتين في محاولة لإعطاء فرصة للمفاوضات السياسية، إلا أن المهلة الأخيرة انتهت تماماً منتصف ليل الأربعاء الماضي، مما فتح الباب مجدداً أمام موجة العنف الحالية.
إن حالة الترقب والقلق تهيمن على الشارع في العراق، حيث يخشى المواطنون من تحول بلادهم إلى ساحة حرب شاملة لا تبقي ولا تذر. فالهجمات بالمسيرات في أجواء أربيل ومحيط مطارها الدولي أصبحت مشهداً مألوفاً للسكان الذين يعانون من تبعات اقتصادية قاسية. والتحالف الدولي بقيادة واشنطن، الذي يتواجد لمحاربة تنظيم "داعش"، يجد نفسه اليوم مضطراً للدخول في مواجهة جانبية مع فصائل مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً كبيراً داخل أروقة الحكم.
تداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد والأمن القومي
لقد تسببت الحرب المستعرة في الشرق الأوسط في هروب البعثات الأثرية والأجنبية وتوقف العديد من المشاريع الحيوية التي كانت تهدف لإعادة الإعمار. وثمة تساؤلات جدية تطرحها الأوساط السياسية حول مدى تهديد هذه الحرب لإيرادات النفط، التي تمثل شريان الحياة الوحيد للدولة. فتعطل الملاحة أو استهداف المنشآت النفطية قد يؤدي إلى انهيار مالي كامل، مما يزيد من معاناة الشعب الذي يواجه تحديات معيشية صعبة نتيجة تقلبات الأسعار وفقدان الاستقرار الأمني المستدام.
تشير التحقيقات المطولة إلى أن الجماعات المسلحة تستفيد من حالة الفراغ الأمني في بعض المناطق لتنفيذ عمليات خطف وتغييب للأجانب، مما يفجر أسئلة الأمن والسيطرة. وتجد الحكومة نفسها في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، حيث تظهر كطرف غير قادر على حماية ضيوفه أو فرض القانون. وهذا الضعف المؤسسي يغذي طموحات الفصائل في توسيع نفوذها، وتحويل البلاد إلى منصة لإطلاق الصواريخ التي تخدم أجندات إقليمية تتجاوز حدود المصلحة الوطنية العليا.
في الوقت الذي تواصل فيه الدفاعات الجوية اعتراض المسيرات فوق مطار أربيل الدولي، يزداد الضغط الشعبي والدولي على صانع القرار في بغداد. فالولايات المتحدة أكدت بوضوح أنها لن تتردد في الدفاع عن أفرادها ومنشآتها بكل الوسائل المتاحة إذا استمر العجز الحكومي. وهذا التهديد المبطن بالتدخل العسكري المباشر قد يعني العودة إلى مربع المواجهة المفتوحة بين واشنطن والفصائل، وهو سيناريو كارثي قد يؤدي إلى تمزيق النسيج المجتمعي وتدمير ما تبقى من بنية تحتية.
لا يمكن قراءة هذه الهجمات بمعزل عن الصراع الأوسع بين طهران وواشنطن، حيث يتم استخدام الجغرافيا في العراق كورقة ضغط قوية في المفاوضات الإقليمية. فالفصائل الموالية لإيران ترى في ضرب المنشآت الأميركية وسيلة لإجبار الولايات المتحدة على الانسحاب أو تقديم تنازلات في ملفات أخرى. ولكن الثمن يدفعه دائماً الاستقرار الداخلي، حيث تتحول المدن والمطارات إلى أهداف عسكرية، ويدفع المدنيون ضريبة صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وسط صمت دولي مريب.
يبقى التساؤل القائم حول قدرة بغداد على التوفيق بين علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران. إن النجاح في هذه المهمة يبدو شبه مستحيل في ظل التخندق الحالي، ومع انتهاء المهل التي منحتها الفصائل، يبدو أن الأيام القادمة ستحمل مزيداً من التصعيد الميداني. إن الحفاظ على الأمن القومي يتطلب جرأة سياسية غير متوفرة حالياً، مما يجعل المستقبل ضبابياً ومفتوحاً على كل الاحتمالات، بما فيها الانزلاق نحو فوضى أمنية شاملة.
إن استمرار الهجمات على المنشآت الدبلوماسية يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية تحت ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فيينا. وإذا لم تنجح السلطات في ضبط السلاح المنفلت وتأمين الحماية اللازمة للبعثات، فإنها تخاطر بعزلة دولية قد تكون كلفتها باهظة جداً. إن الحوار هو المخرج الوحيد، لكنه يتطلب أولاً فرض هيبة القانون على الجميع دون استثناء، لضمان عدم تحول مدن العراق إلى ساحات لتصفية الحسابات والحروب الوكالة.

















0 تعليق