المطران سامى فوزى: الخطاب الدينى تطور بشكل ملحوظ على مستوى الكنيسة والأزهر.. و«المسيحية الصهيونية» تفسير منحرف للنصوص

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال المطران سامى فوزى، مطران الكنيسة الأسقفية بمصر، إن القيامة ليست مجرد مناسبة دينية، بل رسالة حية تعيد للإنسان ثقته فى الغد، وتدفع نحو التمسك بقيم السلام والتعايش، رغم قسوة الواقع وتعقيداته.

وشدد، فى حواره مع «الدستور»، على أن الدولة تقدم للعالم نموذجًا فريدًا للمواطنة والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، مشيدًا بحرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على زيارة الكاتدرائية سنويًا.

وأشار إلى دور الكنيسة فى تعزيز العمل الإنسانى والحوار الدينى، ومواجهة خطاب الكراهية، محذرًا من مخاطر توظيف الدين سياسيًا، ومؤكدًا أن الإيمان الحقيقى يظل دائمًا منحازًا لقيم المحبة والعدل والسلام.

■ بداية.. ما رسالتك فى عيد القيامة المجيد؟

- رسالة القيامة هذا العام ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمعانى الرجاء والأمل فى ظل وقت صعب؛ إذ تمنحنا القيامة دائمًا يقينًا بحياة بعد الموت.

عند التأمل فى واقع المجتمع فى الشرق الأوسط والظروف التى نمر بها، وما نشهده من دمار وموت وحروب، تبرز الحاجة الملحّة إلى رسالة تُعيد التأكيد على قيمة الحياة وتُحيى روح الرجاء.

■ ما أهم المبادرات التى تطلقها الكنيسة خلال فترة الأعياد؟

- خلال فترة الأعياد، تولى الكنيسة اهتمامًا خاصًا بالجانب الإنسانى والجانب الروحى معًا، لتكون هذه الفترة فرصة لتعزيز قيم المحبة والتضامن والرجاء بين أفراد المجتمع.

على الصعيد الإنسانى، تقدم الكنيسة مساعدات مباشرة للأسر المحتاجة، وذلك لتخفيف الأعباء عنهم خلال الأعياد، سواء من خلال توزيع المواد الغذائية، أو تقديم دعم مالى أو عينى، أو مساندة الأسر الأكثر ضعفًا فى المجتمع. 

هذه المبادرات لا تقتصر على تقديم العون المادى، بل تهدف أيضًا إلى بث رسالة تضامن ومحبة، تعكس القيم المسيحية فى العمل من أجل الآخر دون تمييز دينى أو اجتماعى، فتشمل هذه الجهود كل طوائف المجتمع.

أما على الصعيد الروحى، فالأعياد تسبقها فترة الصوم، التى تعتبر فترة إعداد روحى عميق. خلال هذه الفترة، تنظم الكنيسة برامج متعددة تشمل دراسات للكتاب المقدس، وتأملات روحية، وصلوات خاصة جدًا، إضافة إلى لقاءات توجيهية تهدف إلى تعزيز الإيمان الشخصى والجماعى. هذه البرامج تهدف إلى تمكين الأفراد من مواجهة التحديات التى يعيشها المجتمع، وإحياء الأمل والرجاء فى حياة أفضل بعد الصعاب.

وتتعدى هذه الأنشطة حدود الأفراد إلى المجتمع بأسره، إذ تصب فى تعزيز السلام الاجتماعى والتعاون بين مختلف فئات المجتمع، وتؤكد على الدور الحيوى للكنيسة فى بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة الأزمات. 

ومن خلال هذه المبادرات، لا تعمل الكنيسة فقط على تقديم الدعم الروحى والمادى، بل تزرع قيم المحبة والتضامن، وتعيد تذكير المجتمع بأهمية الرجاء والأمل حتى فى أصعب الأوقات، وتؤكد أن الأعياد ليست مجرد مناسبة دينية، بل فرصة لتعميق الروابط الإنسانية والاجتماعية.

■ انخرطت الكنيسة الأسقفية فى مجال الحوار المسيحى الإسلامى.. هل لاحظت نتائج فعالة؟

- نعم.. بالتأكيد، الحوار المسيحى الإسلامى يعد حوارًا فعالًا ومهمًا جدًا، خاصة فى سياق المجتمع المصرى الذى تُعد الكنيسة جزءًا أصيلًا منه، لا ينفصل عنه ولا يمكن تجاهله. هذا الحوار يعزز من مكانة الكنيسة كمكون أساسى فى نسيج المجتمع، ويسهم فى بناء فهم مشترك وقيم مشتركة بين الأديان.

العلاقات المتينة التى تربط الكنيسة مع الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء تشكل دعامة قوية لهذا الحوار، فهى علاقات عميقة ومستقرة وتشجع على التعاون البنّاء. 

ومن خلال هذه العلاقات، نتمكن من بناء جسور تواصل وثقة بين المسلمين والمسيحيين، ما يعزز قدرة الجميع على التفاهم والتعامل مع مختلف القضايا المشتركة التى قد تواجه المجتمع.

كما أن هذه الجسور لا تقتصر على الجانب النظرى، بل تمتد عمليًا إلى تشجيع المشاركة المجتمعية الفعالة، وتقوية روح التعايش السلمى، بما يتيح للشباب والمواطنين على حد سواء التعامل مع التحديات بروح من التسامح والتعاون، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات الطائفية. هذا ما يجعل الحوار المسيحى الإسلامى أداة فاعلة لبناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

■ ما تقييمك لدور الدولة فى تقديم نموذج متسامح لتعايش المسيحيين والمسلمين؟

- الدولة تعمل على تقديم نموذج متقدم للتسامح والتعايش بين المسيحيين والمسلمين، من خلال تشجيعها المستمر للكنيسة والمواطنة، والمواطنة الحقيقية تُعد أساسًا للعلاقة بين الأديان فى المجتمع؛ إذ تمنح كل فرد حقوقه وتفرض عليه مسئولياته، بغض النظر عن انتمائه الدينى.

ومن أبرز الرموز العملية لهذا النهج زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى السنوية للكاتدرائية، وهى خطوة غير مسبوقة تحمل رسالة واضحة للمواطنين بأن الدولة تلتزم بالمساواة ولا تميز بين أبنائها على أساس دينى. 

هذه الزيارات تعزز الشعور بالانتماء والأمان لدى المواطنين المسيحيين، وتؤكد أن الدولة تولى أهمية حقيقية لتعزيز الوحدة الوطنية، والتأكيد أن اختلاف الدين لا يعوق الحقوق ولا يقلل من قيمة أى مواطن.

هذا الدعم الرسمى يفتح المجال للكنيسة والمجتمع المدنى للقيام بدورهما فى تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، وبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو سياسية، بما يعكس نموذجًا متقدمًا للتعايش السلمى بين المسلمين والمسيحيين فى مصر.

■ ما رأيك فى جهود الدولة المتعلقة بملف حقوق الإنسان؟

- موضوع حقوق الإنسان موضوع حساس ومعقد، وغالبًا ما يُثار بشكل مبالغ فيه أحيانًا، وقد يُوحى بوجود مشاكل أو انتهاكات غير حقيقية. شخصيًا، لا أشعر بأن هناك أزمات حقيقية فى هذا الملف داخل مصر.

وبالنظر إلى الواقع، نرى أن المجتمع المصرى يعيش حالة من المصالحة والسلام النسبى، رغم وجود تحديات طبيعية كما هو الحال فى أى مجتمع حول العالم. هذه التحديات لا تعنى بالضرورة أن هناك تمييزًا أو معاملة غير عادلة للمسيحيين أو أى فئة أخرى؛ فالشعور بالظلم أمر طبيعى يمر به الناس فى كل مكان، سواء فى مصر أو فى دول أوروبا وأمريكا، لكنه لا يعكس بالضرورة حقيقة التمييز أو الانتهاك.

لا يمكن اختزال المشهد فى حكمٍ ثنائىٍّ قاطع بين الأبيض والأسود؛ إذ إن الواقع أكثر تعقيدًا وتوازنًا. فالمجتمع المصرى، رغم ما يواجهه من تحديات، لا يمكن وصفه بأنه فى حالة سلبية، كما أنه ليس مثاليًا بصورة مطلقة. 

هناك حالة من الاتزان، إذ تتوافر الحقوق الأساسية إلى حدٍّ كبير، إلى جانب وجود قضايا قائمة يمكن التعامل معها ومعالجتها من خلال حوار جاد وبنّاء يقوم على الفهم المتبادل.

■ هل تطور مفهوم المواطنة فى مصر؟

- نعم.. تعمل الدولة باستمرار على تعزيز مفهوم المواطنة، وأصبحت هناك جهود واضحة لضمان حقوق متساوية لجميع المواطنين. وهذا التقدم يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية العدالة والمساواة فى بناء مجتمع مستقر، ويؤكد أن المواطنة هى الأساس الحقيقى للوحدة الوطنية.

■ ما تقييمك لدور المؤسسات الدينية فى مواجهة خطاب الكراهية والتطرف؟

- المؤسسات الدينية تتحمل مسئولية كبيرة فى مواجهة خطاب الكراهية، الذى غالبًا ما يكون ناتجًا عن تفسير مغلوط للنصوص الدينية أو توظيفها خارج سياقها الصحيح.

الدور الأساسى لهذه المؤسسات يتمثل فى تقديم خطاب دينى مستنير ومتوازن، يركز على القيم الإنسانية المشتركة مثل الرحمة، والعدل، وقبول الآخر.

كما أن هذا الخطاب يجب أن يخاطب الإنسان باعتباره إنسانًا أولًا، دون النظر إلى خلفيته الدينية أو الثقافية، وأن يرسخ فكرة أن كرامة الإنسان هى قيمة مطلقة.

ومع تزايد التحديات، أصبح من الضرورى أيضًا استخدام وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل لنشر هذا الخطاب المعتدل ومواجهة الأفكار المتطرفة.

■ هل تطور الخطاب الدينى فى مصر؟

- نعم.. تطور الخطاب الدينى فى مصر خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، سواء على مستوى الكنيسة أو الأزهر. هذا التطور انعكس بشكل واضح فى تراجع حدة التوترات الطائفية والأحداث العنيفة التى كانت تظهر فى فترات سابقة، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها جهود الدولة فى دعم الاعتدال، إلى جانب وعى القيادات الدينية بأهمية تجديد الخطاب الدينى ليتواكب مع متغيرات العصر.

كما أسهمت المبادرات المشتركة بين المؤسسات الدينية فى نشر ثقافة التسامح، وهو ما أدى إلى بناء حالة من الثقة بين مكونات المجتمع، وجعل الخطاب الدينى أكثر تأثيرًا فى تعزيز الاستقرار.

■ ما طرق التمييز بين الدعم الدينى والتوظيف السياسى للدين؟

- الدين يمثل عنصرًا أساسيًا فى هوية المجتمع، ومن حق الأفراد ممارسة شعائرهم بحرية، وهو ما تكفله الدولة، لكن فى الوقت نفسه يجب الفصل بين الدين والسياسة، لأن استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية يؤدى إلى نتائج سلبية، منها نشر الانقسام والتطرف. 

لذلك، ترفض الكنيسة أى توظيف سياسى للدين، وتدعو إلى الحفاظ على قدسيته كعلاقة روحية بين الإنسان وربه.

كما تؤكد أن دور الدين هو توجيه الضمير الإنسانى وتعزيز القيم الأخلاقية، وليس الدخول فى صراعات السلطة أو المنافسات السياسية.

عندما يُستخدم الدين كأداة سياسية، يفقد جوهره الروحى ويتحول إلى وسيلة للانقسام بدلًا من أن يكون مصدرًا للوحدة. ومن هنا، فإن التوازن يكمن فى احترام دور الدين فى حياة الأفراد، مع ضمان عدم استغلاله لتحقيق أهداف سياسية، بما يحفظ استقرار المجتمع ويعزز وحدته.

■ ما موقفك من «المسيحية الصهيونية»؟

- نرى أن هذا المفهوم يقوم على تفسير حرفى ومجتزأ للنصوص الدينية، ويؤدى إلى ربط غير صحيح بين الإيمان والسياسة. وهذا النوع من التفسير ينتج عنه تحيز واضح، ويبتعد عن جوهر الرسالة المسيحية التى تقوم على المحبة والسلام والعدل.

نرفض هذا التوجه، ونؤكد ضرورة قراءة النصوص الدينية فى سياقها الصحيح، بعيدًا عن التوظيف السياسى. كما نحذر من خطورة استخدام النصوص المقدسة لتبرير مواقف سياسية أو صراعات معاصرة، لأن ذلك يؤدى إلى تشويه الإيمان وتحويله من رسالة روحية إلى أداة صراع، فالإيمان الحقيقى لا يمكن أن يكون منحازًا للظلم، بل يقف دائمًا إلى جانب الحق والعدل والسلام.

ومن هنا، ندعو إلى فهم لاهوتى متوازن يعكس روح النصوص وليس حرفيتها المجتزأة، ويُبعد الدين عن أى استقطاب سياسى أو أيديولوجى.

■ ما رأيك فى تصريحات بنيامين نتنياهو التى شبّه فيها السيد المسيح بجنكيز خان؟

- هذه التصريحات تعكس خللًا واضحًا فى فهم جوهر الإيمان المسيحى وتعاليمه. فالسيد المسيح هو رمز للمحبة والسلام والتضحية، ولم يدعُ يومًا إلى العنف أو حمل السلاح، بل على العكس، كانت رسالته قائمة على الغفران وقبول الآخر. المسيح لم يحمل سيفًا، ولم يقُد حربًا، بل قدّم نموذجًا فريدًا فى المحبة والتضحية، ولا يمكن بأى حال مقارنته بشخصيات تاريخية ارتبطت بالحروب والدمار.

هذه التصريحات تندرج ضمن محاولات توظيف الدين أو الرموز الدينية فى سياقات سياسية، وهو أمر مرفوض لأنه يسىء إلى القيم الدينية ويؤجج مشاعر الكراهية بدلًا من تعزيز السلام.

كيف تسهمون فى تصحيح صورة مصر فى الخارج؟

- ننقل الصورة الحقيقية للتعايش فى مصر؛ فعندما نشارك فى مؤتمرات دولية، نعرض تجربة الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، والتى تمتد لقرون طويلة.

هذا العرض الواقعى يسهم تلقائيًا فى تصحيح أى مفاهيم خاطئة، ويعكس صورة إيجابية عن المجتمع المصرى.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق