صرخة بيدعة مصابني.. كيف صنعت مصر أول مسابقة لملكات الجمال؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يروي الكاتب أيمن عثمان في كتابه «مشخصاتية مصر» واحدة من الحكايات اللافتة في تاريخ الفن المصري، حيث تداخلت الصدفة بالذكاء التجاري، وامتزجت الرغبة في الشهرة ببدايات صناعة النجومية، إنها قصة أول مسابقة جمال في مصر عام 1932، تلك التي لم تكن مجرد حدث اجتماعي عابر، بل تحولت إلى بوابة عبور من خشبة المسرح إلى شاشة السينما، وأطلقت أسماء ستصبح لاحقًا من رموز الفن.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن صناع السينما بعيدين عن هذا الحدث الوليد، كانوا حاضرين في الخلفية، يراقبون في صمت، يترقبون النتائج، بينما في حقائبهم عقود جاهزة، وفي أذهانهم مشاريع تنتظر الوجوه الجديدة، لقد أدركوا مبكرًا أن مسابقات الجمال ليست مجرد استعراض، بل منجم لاكتشاف نجمات المستقبل.

 

بدأت الحكاية مع صدى عالمي وصل إلى مصر، عندما شغلت مسابقة ملكة جمال العالم، التي أقيمت في مدينة «سبا» البلجيكية، اهتمام الشارع المصري، فقد توجت الشابة التركية «كريمن خالص» باللقب، لتصبح حديث الصحف والمجلات، التي تابعت أخبارها بشغف، خاصة مع زيارتها المرتقبة إلى مصر، هذا الاهتمام الجماهيري فتح شهية المستثمرين في الفن والترفيه لاستغلال الحدث.

 

هنا ظهرت براعة بديعة مصابني، التي لم تكن مجرد راقصة أو صاحبة صالة، بل كانت عقلًا تجاريًا حادًا يعرف كيف يحول اللحظة إلى فرصة، قررت أن تنقل الفكرة إلى مصر، فأعلنت عن تنظيم «أول مسابقة للجمال النسائي» داخل صالتها الشهيرة في شارع عماد الدين، قلب الحياة الفنية في ذلك الزمن.

 

رفضت بديعة أن تكون المسابقة مجرد إعلان تجاري تموله شركات الأزياء، رغم العروض المغرية من مؤسسات كبرى، وأصرت على أن تكون المسابقة خاصة براقصات الصالة، وأن تتحمل هي وحدها التكلفة، لتحتفظ بكامل العائد الدعائي، لم يكن القرار فنيًا فقط، بل كان أيضًا حفاظًا على «ملكية الفكرة»، كما كانت ترى.

 

في 20 أغسطس 1932، انطلقت فعاليات المسابقة داخل صالة بديعة، وسط حضور جماهيري كثيف، وعلى مدار أسبوع كامل، عرضت الفتيات أمام الجمهور، الذي منح حق التصويت المباشر، لم تكن هناك لجنة تحكيم بالمعنى التقليدي، بل اقتصر دور اللجنة، التي ترأسها الأديب حسن جودة، على فرز الأصوات فقط.

 

اعتمدت المسابقة على تصويت الجمهور، حيث يحصل كل متفرج على استمارة بها أسماء المشاركات، ليختار الأجمل من وجهة نظره، غير أن هذا النظام لم يخلوا من الانتقادات، إذ استغل بعض الحضور الأمر بالحصول على أكثر من استمارة، ومنحوا أصواتهم لمرشحة واحدة، ما أثار شكوكًا حول نزاهة النتائج، وفتح باب الجدل في الصحافة الفنية.

 

ورغم تلك التحفظات، أُعلنت النتائج، لتفوز زوزو لبيب بلقب «ملكة جمال العوالم» بعد حصولها على 355 صوتًا، تلتها كريمة أحمد، ثم فتحية الصغيرة، وامتثال فوزي، أما في فئة الأجنبيات، فازت «مارجو» باللقب.

 

لكن أهمية هذه المسابقة لم تكن في الألقاب بقدر ما كانت في نتائجها غير المباشرة. فقد جاء عام 1932 حافلًا بالتحولات في الفن المصري، إذ شهد إنتاج أول فيلم ناطق، وهو أولاد الذوات، كما بدأت الفرق المسرحية في الانتقال إلى السينما، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الفن.

 

في هذا السياق، لفتت زوزو لبيب أنظار صناع السينما، وعلى رأسهم توجو مزراحي، الذي قرر الخروج عن إطار الفرق المسرحية التقليدية، والبحث عن وجوه جديدة من صالات عماد الدين، فاختار زوزو لبيب، إلى جانب تحية كاريوكا، للمشاركة في فيلم «دكتور فرحات»، ليكونا من أوائل الراقصات اللاتي انتقلن إلى التمثيل في السينما الناطقة.

 

لم تتوقف مسيرة زوزو عند هذا الحد، بل توالت أعمالها، فشاركت في فيلم «الأبيض والأسود» مع فوزي منيب، ثم فيلم «يوم المنى» مع ألفيزي أورفانيللي، قبل أن تحقق حضورًا لافتًا في أفلام مثل «غفير الدرك» مع علي الكسار، و«العز بهدلة» مع شالوم.

 

الأهم من ذلك أن زوزو لبيب لم تكن مجرد ممثلة ضمن فريق، بل تصدرت أسماء الأبطال في تترات الأفلام، وظهرت باسمها الحقيقي، وهو أمر لم يكن شائعًا في ذلك الوقت، ما يعكس حجم الرهان عليها كنجم صاعد، وكانت بوابتها إلى كل ذلك لقب «ملكة جمال العوالم»، الذي منحها شهرة أولية مهدت الطريق لنجاحها السينمائي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق