اتفق ٣ خبراء أمريكيين وإيرانيين على أن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران من ناحية أخرى، سوف تتصاعد خلال الفترة المقبلة، لعدم رغبة كل من واشنطن وطهران فى الوصول إلى حل وسط.
وطالب الخبراء الثلاثة، الذين تحدثت معهم «الدستور»، باللجوء إلى المفاوضات والدبلوماسية، معتبرين أن مصر وسيط مفيد للغاية فى المفاوضات المحتملة بين طهران وواشنطن، فى ظل قربها من الولايات المتحدة، وكونها القلب الثقافى للعالم العربى، بما يعزز موقفها فى هذه الوساطة.
الخبراء الثلاثة هم: رضا خانزاده، أستاذ مساعد فى الشئون العالمية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة «جورج ماسون» الأمريكية، الذى شغل سابقًا منصب كبير مستشارى السياسة الخارجية فى غرفة التجارة الأمريكية الإيرانية، وديفيد دى روش، المسئول السابق فى «بنتاجون»، الذى كان مسئولًا عن شئون الخليج، وبول بوست، الأستاذ المشارك فى قسم العلوم السياسية بجامعة «شيكاغو»، الباحث غير المقيم فى «مجلس شيكاغو للشئون العالمية».
بول بوست: إعادة تقييم شامل لاستراتيجية الخليج الأمنية بعد الهجمات الإيرانية
■ كيف تُقيّم طبيعة الصراع الحالى؟
- مع استمرار اتساع نطاق الحرب الإيرانية لتتحول إلى صراع إقليمى، يبقى السؤال المحورى: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ يبدو هذا السؤال بالغ الأهمية، خاصة فى ظلّ التبريرات المتضاربة التى قدّمها الرئيس دونالد ترامب وإدارته للحرب، والتى تتراوح بين الهدف النهائى المتمثل فى تغيير النظام فى طهران، والهدف المحدود المتمثل فى إضعاف قدرة إيران على بناء وإطلاق الصواريخ.
وعلى الرغم من أهمية التصريحات التى أدلى بها ترامب وإدارته، فإنها لا تُمثّل سوى جانب واحد من فهم جذور الحرب. فمنذ زمن بعيد، جادل الباحث فى العلاقات الدولية، كينيث والتز، بأن أسباب الحرب يمكن تحليلها عبر مستويات مختلفة: القادة الأفراد، والدول التى تبدأ الحرب، والنظام الدولى الذى تعمل ضمنه تلك الدول.
ويمكن التحليل من خلال المستوى الفردى، أى بالتركيز على ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو- الرجلين اللذين اختارا إشعال فتيلها- بالنسبة لترامب، تمثل هذه الحرب ذروة نهج «الضغط الأقصى» الذى انتهجه ضد إيران منذ ولايته الأولى، وشمل ذلك الانسحاب من الاتفاق النووى متعدد الأطراف مع إيران، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، وزيادة العقوبات الاقتصادية ضدها، ثم بناء تحالف مناهض لإيران من خلال اتفاقيات أبراهام، التى طبعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. استمر هذا الضغط وتصاعد عسكريًا خلال ولايته الثانية، لا سيما مع قصف المنشآت النووية الإيرانية الصيف الماضى فى عملية «مطرقة منتصف الليل»، التى أنهت حرب الأيام الاثنى عشر بين إسرائيل وإيران.
■ إلى أى مدى نجحت إسرائيل فى جرّ الولايات المتحدة إلى صراع أوسع؟
- فى الوقت الذى بدت فيه الأمور تتحسن بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، أعادها الرئيس دونالد ترامب إلى نقطة الصفر، وبينما تقاتل الولايات المتحدة وإسرائيل جنبًا إلى جنب، ثمة مخاوف من أن عدم شعبية الحرب، إلى جانب الاعتقاد بأن ترامب أُجبر على شنّها بضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، قد يُقوّض فى نهاية المطاف التحالف الأمريكى الإسرائيلى.
فيما وجدت دول الخليج، حليفة الولايات المتحدة، نفسها تتحمل، على مضض، وطأة الضربات الإيرانية الانتقامية، حيث شنت إيران غارات جوية وهجمات صاروخية على جيرانها فى الخليج، ورغم غياب تحالفات رسمية بين الولايات المتحدة وأى من دول الخليج، فإن علاقاتها الأمنية لا تزال متينة.
الولايات المتحدة لم توقع معاهدة تحالف رسمية مع دول الخليج، لكن تصرفاتها تشير إلى أنها تعتبرها مكونات أساسية فى شبكتها العالمية من الحلفاء، وقد خلق هذا معضلة لدول الخليج، وله تداعيات على حلفاء الولايات المتحدة الآخرين حول العالم، ومن بينهم الأوروبيون.
■ كيف ستغير هذه الحرب العلاقات الأمريكية العربية لا سيما مع دول الخليج؟
- أظهرت إيران استعدادها لمهاجمة حلفاء الولايات المتحدة بشكل مباشر، ما أثار الشكوك حول مصداقية التزام واشنطن بالدفاع عنهم، بل وحتى قدرتها على ذلك، وتكمن المشكلة فى أن الولايات المتحدة جعلت هذه الدول مشاركة، إن لم تكن خصومًا صريحة، فى حرب لم تكن ترغب فى خوضها، وتعيد هذه الدول الآن تقييم- ليس فقط موقفها من الحرب-، بل نهجها الأمنى العام، فهى ليست مجرد دول عازلة عالقة فى مرمى نيران الصراع الإسرائيلى الإيرانى، بل تُستهدف بسبب علاقاتها مع واشنطن، واستضافتها قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها- رغم حظرها استخدام هذه القواعد لمهاجمة إيران- ومشاركتها فى التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الإقليمى لطهران.
قد يجادل البعض بأن هذا لا يعكس مخاطر بشأن تطوير علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، فالهجمات الصاروخية الإيرانية ليست عملًا عدائيًا بحد ذاته، بل هى سلوك يائس لنظام يكافح من أجل البقاء ومن غير المرجح أن يستسلم. ونظرًا للتفوق العسكرى التقليدى للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن أفضل استراتيجية لإيران هى ممارسة الضغط الداخلى.
رضا خانزاده: ترامب وطهران لا يرغبان فى حل وسط أو تقديم تنازلات جوهرية
■ ما سيناريوهات الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟
- أعتقد أن الحرب ستتصاعد نظرًا لعدم رغبة «ترامب» وطهران فى التوصل إلى حل وسط.
عدم رغبة طهران فى التنازل مفهومٌ نظرًا لخشيتها من أن أى تنازل سيشكل سابقةً لهجمات مستقبلية، ويجعلها فى حالة ترقب دائم، تنتظر القصف التالى من الولايات المتحدة وإسرائيل. ويتمثل منطق طهران فى أنه إذا استطاعت إثارة استياء واشنطن وتل أبيب، فسيكون ذلك رادعًا لأى هجمات مستقبلية. وعدم رغبة الولايات المتحدة فى التنازل يُشبه إلى حد كبير موقف إيران، فواشنطن أيضًا لا ترغب فى العيش فى عالم تضطر فيه إلى قصف إيران كل ٦ أشهر أو سنة.
ومع ذلك، لا ترى إسرائيل غضاضة فى هذا السيناريو، بل وتسعى جاهدةً لتحقيقه حتى تتمكن من كسر إيران إلى الحد الذى لا تُشكل فيه تهديدًا لأهدافها الإقليمية، أو حتى تصبح حليفًا لها.
أما بالنسبة للدول الأخرى فى الشرق الأوسط، خاصة دول مجلس التعاون الخليجى، فيعتمد تدخلها العسكرى على المدة التى ستستمر إيران فى مهاجمتها، وما إذا كانت تُقيّم احتمال سقوط الجمهورية الإسلامية.
من وجهة نظر طهران، سيستمر هذا الصراع حتى تتوقف واشنطن وإسرائيل عن القتال، أو يسقط النظام. لا يوجد خيار آخر أمام إيران، لذا بمجرد أن تدرك دول المنطقة الأخرى استحالة الخيار الأول، ستدعم بقوة الخيار الثانى.
■ إلى أى مدى تتفق استراتيجيات تل أبيب وواشنطن تجاه هذه الحرب؟
- الواقع المؤسف هو أن صراعات كهذه ستتكرر حتمًا، والفارق الوحيد هو من ستختار إسرائيل والولايات المتحدة مهاجمته لاحقًا. مادام تدعم الولايات المتحدة أجندة إسرائيل للهيمنة الإقليمية، ولا تسعى إلى حل الدولتين، ستستمر هذه الصراعات. اليوم، إيران هى الخصم، ولكن حتى فى حال زوال التهديد الإيرانى، ستظهر جهة أخرى وتصبح العدو الجديد، وسنعيش هذا الصراع من جديد.
ديفيد دى روش: استهداف طهران دول الخليج خطأ استراتيجى فادح
■ كيف يمثل النفط ورقة ضغط فى الحرب الحالية؟
- الإيرانيون أذكياء جدًا، بل شديدو الدهاء، ويدرسون النظام الأمريكى بعمق، ومعظم قادة النخبة لديهم أقارب فى الغرب. على سبيل المثال، ابنة آية الله الخمينى تعيش فى كندا، لذا فهم يفهمون جيدًا النظام الأمريكى، ويدركون أن الرئيس دونالد ترامب يدرك أن أهم سلعة للمواطن الأمريكى العادى هى سعر البنزين.
والآن، الملاحة فى مضيق «هرمز» معطلة جزئيًا أو كليًا، وما رأيناه هو أن إيران تريد التعامل مع مضيق «هرمز» كما لو كان مشروعًا هندسيًا وطنيًا. لذا أعتقد أنه إذا استمر تعطيل الملاحة، فستكون هناك هجمات مباشرة. ومن بين الأهداف المحتملة لقوات مشاة البحرية، فى حال شنّها غارة، جزيرة «خرج» الواقعة قبالة «بندر عباس»، التى تتمتع بموقع استراتيجى بالغ الأهمية. أعتقد أنها على رأس قائمة الأهداف المحتملة.
■ كيف تقيّم دور مصر كوسيط فى المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟
- أعتقد أن مصر شريك مفيد للغاية، فى ظل قربها من الولايات المتحدة، وقدرتها على إدارة شئونها بكفاءة، وكونها القلب الثقافى للعالم العربى، كل ذلك يُعزز موقفها. السؤال هو: هل يرغب الإيرانيون فى التفاوض عبر أى جهة؟ فهم حتى الآن لم يقبلوا بالوساطة، واكتفوا بتمرير المذكرات. لذا، على الأقل فى المدى القريب، ربما يكون من الأسهل تمرير المذكرات عبر الباكستانيين الذين يُصرّون على موقفهم.
■ هل من الممكن الجمع بين الضغط العسكرى والمسار الدبلوماسى ؟
- هذان عنصران يعززان بعضهما بعضًا. أنت لا تبحث عن المفاوض الأرجح، بل عمن سيبرز فى نهاية الحرب. وبشكل عام، فإن استراتيجية إيران تتمثل فى توسيع نطاق الصراع ليشمل دول مجلس التعاون الخليجى المحايدة، والسفن المدنية المحايدة فى المياه الدولية. أعتقد أنهم يرون فى ذلك مكسبًا قصير الأجل، لكننى أرى أنه خطأ استراتيجى فادح، لأنهم بذلك أكدوا صحة كل ما قاله دونالد ترامب عن إيران قبل بدء العمليات، من أنها تشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمى. لقد أثبتوا للتو أنهم يشكلون تهديدًا للاستقرار الإقليمى.
■ وماذا عن مستقبل البرنامج النووى الإيرانى؟
- أعتقد أن هذا النظام سيسعى دائمًا لامتلاك القدرة النووية. وأعتقد أن إسرائيل، على وجه الخصوص، ستتعامل مع البرنامج النووى الإيرانى مستقبلًا بنفس طريقة تعاملها مع البرنامج النووى السورى، أى إنها ستشن عمليات عسكرية ضده إذا ما تلقت مؤشرات على تقدمه، ما يعنى أن إيران لن تتمكن من إعادة بناء شبكة دفاعها الجوى.














0 تعليق