درب الصفا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تكن الرؤى والأحلام تُكثر زيارتى، تأتينى فى العام مرة أو مرتين، ولا أرى فيها ما أعبأ بتفسيره أو أُحكِمُ تذكُّرَه إذا صحوت. وحدها رؤى أبى فى الأعوام الأولى بعد موته كنتُ أحفظها وأكتبها فور الصحو، أَعُدُّها زيارة منه وفاءً بوعد، واعتذارًا عن إخلاف موعد، حين غاب قبل أن أقضى منه حاجة الابن من أبيه.

بعدها لم أعد أرى شيئًا فى منامى، حتى عزة منذ عشقتُها لم أرها، تَهيأ لى أنها قريبة فتعطلت حاسة المنامات عنها، ولم أعد أرى شيئًا آبَهُ به. إن كانت إلا دجاجاتٍ تركب فرَسًا، ومطرًا ينزل فوق سحابة، وأمثال هذا الضرب مِن التخبيط والتخليط.

وكنتُ فى عهدى الأول إذا قصصتُ هذه الأشياء على أمى وأختى همّتا بالتماس التعبير وطلب التفسير، وكلتاهما تُحسن مقاربة التأويل، غير أنى لم أكن أعبأ بالرؤى حتى أعبأ بتفسيرها، وكنت أقول إنّ من نام نام عقله معه، ومن نام عقلُهُ لم يؤبه لإدراكه.

فى هذه الليلة خالفَتنى العادة، فرأيتُنى فى مركب فى النيل، وعن يمينى مدينة لا أعرفها ذات ديار وقصور، وجامع كبير على ضفة النيل من خلفه قناطر، وعن شمالى جزيرة الروضة كما أعرفها بشجرها ونخلها وبساتينها، ومعى فى القارب عُمر ابن أختى مريم، لم أرهُ ولا أعرف شكله، لكنْ هكذا هُيّئ لى فى المنام. ومن الروضة صوت مُغنيّة تُغنى بغير آلة:

داوِنى بالذى أخاف لَعَلّى

لا أغنّى بعد الربيع سميعا

إنّ دارًا من البلاد لَحَسبى

لو ترُدُّ الشمل الشتيت جميعًا

قمتُ من نومى أحفظ الشعر كما أحفظ اسمى، أما صوت المغنية فاختلط علىَّ، يُشبه صوتَ مُلْك، لكن أنَّى لى أن أمسك به بعد الصحو لأستيقن! وأما عُمر فأشعلَ شوقى إليه وإلى مريم، واستيقنتُ صورتَهُ التى رأيتُها لأنّ حبيبًا غائبًا مُنزّهٌ عن الكذب. 

كان فى الليل بقية والفجرُ على مسافة، أوقدتُّ سراجًا ورجعتُ إلى سورة يوسف، عُدتُّ إلى آية الرؤيا رغم أنى كنت جاوزتها فى المرة الماضية وبلغتُ بالقراءة إلى آية السجن، أردتُّ أن أقرأ هذه المرة حتى اجتماع شمله بأبيه وإخوته، لكن أذّن الفجر فتوضأتُ وخرجتُ، تحيرتُ إلى أى مسجد أذهب، فذهب بى قلبى إلى المسجد الذى على رأس درب الكوريين.

صلى بنا إمام وَسَطُ القراءة، وقفنا وراءه خمسة أو ستة، فلم يعد فى هذا الدرب كثيرُ سُكان، ولم يزل فى المساجد كثرة، على ما تعوّد أهل مصر من بناء المساجد الأرضية، والمساجد المعلقة على السقائف والدور وفوق المساجد الأخرى. وأكثر من ينشط للفجر يخرج إلى الجامع العتيق، أو إلى مسجد القرون، أو إلى مساجد المَشاهد.

صليتُ وجلستُ أذكر الله قليلًا وأتذكر منامى كثيرًا، أتدبر فيه وأتحيّر له وأدعو الله فى ما رأيتُ منه، حتى تسرّب الخمسة واحدًا بعد آخر، وأوشك الشروق فرأيتُ إمام المسجد يُردد الخطو إلى الباب حتى أفهم، فقمتُ.

ألقيتُ نعلىّ ولبستُهما- وبوُدّى لو أخلعهما فى هذا الوادى- ومشيتُ أحُجُّ كعبتى فى الدرب، فإذا أمام بيتها إبلٌ كثيرة وعلى بعضها هوادج ذات ألوان صُفر وحُمر وخُضر، فعَرفتُ أنهم يرحلون اليوم.

لزمتُ باب بيتٍ خَرِبٍ بينهم وبين المسجد، حتى بدأ الخدم والعبيد يترافدون إلى الجمال، ونزل بعضهم من الدار يحمل خفائف مما بقى من المتاع إلى أن أسفرَ خدُّ النهار، فنزل البزار، وخلفه زوجته وبناته يلبسن الخُمُر الملونة ويتلثّمن بها لثامًا رِخوًا يتّسع نقابه فتشبُّ منه محاسن الوجوه. عرفتُ صاحبَتى وتبعتُها بعينىّ حتى سكنَت الهودجَ الأحمر، وسكنَت كل واحدة هودجها، وركب البزار جملًا ضخمًا فى صدر الموكب، وركبت الوصائف جمالًا حاسرةً لا تسترهنّ، وأحاط العبيد بهم مشاةً، ثم إنّ الجمّالينَ وخزوا الجِمال فاشرأبّت أواخرُها حتى مالت الهوادج وسقط قلبى معها، ثم استوت قائمةً وتَرتّبَت صفًّا واحدًا فخرج أولها من باب الكوريين، وتتابعت مِن خلفه حتى خرج الجملُ ذو الهودج الأحمر. ليت شعرى أيكون هذا آخر عهدكِ بباب الكوريين يا عزة! أيَراكِ يومًا تدخلينَه أم هو خروج الأبد؟

تراسلَت الجمال حتى خرج آخرُها، واتّبعتُها مُخليًا بينى وبينها مسافة، سار الموكب شمالًا واجتاز مسجد الكلبى حتى بلغ مشهد زين العابدين، ألقى البزارُ يده مُسلِّمًا بالإشارة وسمعتُهُ يذكر السيدَ زيدًا ويسأل المدد والبرَكة.

كذبتَ يا تاجر، كان جارَك فتركتَ جوارَه، وكان بينك وبينه خطواتٌ لا يُجهدُك خَطْوُها حافيًا، ففضّلتَ عليه محلّةً تَجهَدُ إليها الإبل، وكان سراجُ قبته يُبلغ نورَه إلى شرفتك، فاخترتَ عليه سُرُجًا جديدةً وشُرفةً بعيدة، فهِجرتُك إلى ما هاجرتَ إليه.

انحرف الموكب يمينًا فمشى بين الكيمان حتى خرج وراء المصلَّى عند مشهد السيدة نفيسة، فكرر التاجر فعْلَته، ثم انحرفوا شمالًا فأمسكوا بالشارع، ولم يزل يُكرر الفعلة عند مشاهد رُقية وسكينة ومحمد الأصغر حتى بلغنا بُستانَ سيف الإسلام ولاحت لنا بِركة الفيل مِن وراء البيوت تلمع فى صفحتها السماء. 

كان شىء من الانحلال قد تسلل إلى نظام الموكب، فتراخى العبيد عن مواضعهم واحتفّ بعضُهم بالجهة اليسرى ليتفرّجوا على البِركة مِن فُرَجِ ما بين البيوت ويستأنسوا بطيرها وشجرها، فوجدتُ لنفسى مُتقدَّمًا فتقدمتُ إلى أن صرتُ حذاء الهودج الأحمر، لا أتأخر عنه إلا خطوة لأُحسنَ رؤيته، عنده بِركتى وسَرحتى ونُزهتى، ثم أتقدم لأحاذيَهُ تمامًا وأنظرَ مِن فُرجة ستوره، كنتُ عن يمينها وكانت تُطل على الجهة الأخرى ترى البِركة وما عليها من المناظر، لم تنتبه لوجودى، ولم أنتبه لسواها.

مقطع من رواية «درب الصفا»

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق