الجمعة 03/أبريل/2026 - 11:25 م 4/3/2026 11:25:30 PM
لم أجد فى أى شريعة من الشرائع السماوية أو حتى القوانين الوضعية نصًا صريحًا يقضى بإعدام الآسرى....أما فى إسرائيل فقد وافق الكنيست على تمرير قانون يقضى بجواز إعدام الآسرى الفلسطنين بأغلبية 62 صوتًا وهو ما جعله قانونًا ناجزًا يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكامًا بالإعدام بحق الفلسطنين المدانيين بقتل إسرائيلين تحت مبررات " دوافع قومية أو عدائية" أو بقصد الإضرار بدولة الإحتلال وهو ما يمثل إنتقالًا إلى مرحلة خطيرة تسمح بإعطاء شرعية وإطار رسمى لتكريس القتل كأداة مركزية فى منظومة الحكم وتعزيز نظامًا يقوم على عدم التمييز فى مبررات تطبيق هذا القانون وجعلة أداة تسلط على رقاب الآسرى مهما كانت الأسباب التى أدت إلى آسرهم وإعتقالهم حتى ولو كانت الجريمة المنسوبة إليهم تأتى فى إطار الدفاع عن النفس أو درء المخاطر التى قد تحيط بوقوع الجرائم مثل مواجهة إعتداءات المستوطنين على أراضى ومنازل الفلسطنيين المدنيين للإستيلاء عليها.
إن إعتماد قانون لإعدام الآسرى يؤكد على وجه الإحتلال الوحشى الذى يتحدى كافة الشرائع والقوانين خاصة وإنه يستثنى الإسرائيلين الذى يرتكبون جرائم مماثلة ويمنحهم الفرصة لإستئناف الأحكام الصادرة ضدهم من محاكم مدنية وليست عسكرية وغالبًا ما يتم تعديل هذه الأحكام إلى السجن المؤبد أو بسنوات أقل.
حاول الإعلام الإسرائيلى تبرير صدور هذا القانون بإنه رد فعل طبيعى على أحداث السابع من أكتوبر 2023 متجاهلًا السياق الأوسع لأسبابه خاصة بعد إتساع جرائم الإحتلال فى أعقاب ما حدث وما ترتب عليها من إعتقالات إدارية ومحاكمات دائرة لا تتسق مع معايير المحاكمات العادلة والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة والتى سبق أن وافقت عليها إسرائيل نفسها والتى تدعو إلى تعليق عقوبة الإعدام وإستبدالها بعقوبات أخرى مما جعل القانون الجديد الذى تم التصديق عليه يمثل تناقضًا صارخًا مع موقفها السابق ويؤكد كذب الإدعاءات الإسرائيلية التى تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتتجاهل الواقع اليومى للآسرى الفلسطنين الذين يتعرضون للتعذيب والإهمال الطبى والعزل الإنفرادى.
وبنظرة سريعة إلى أهم بنود هذا القانون نجد أن تنفيذ حكم الإعدام يتم خلال 90 يومًا من صدور القرار النهائى بدون أى إستئناف أو تخفيف أو إلغاء... وخلال هذه الفترة يتم إحتجاز المحكوم عليهم فى زنازين إنفرادية تحت الأرض ومنع الزيارات عنهم لحين تنفيذ حكم الإعدام والذى يتم بواسطة ضباط ملثمون لضمان مجهولية القاتل وحمايته ومنحه حصانة جنائية ومدنية كاملة كما منح الصلاحية لوزير الأمن القومى – وهو حاليًا المتطرف اليمينى إيتمار بن غفير – صلاحيات إمكان تطبيق حكم الإعدام دون طلب النيابة العامة أو الحصول على موافقة جماعية من القضاة العسكريين....وهنا نتساءل أى عدل هذا؟ وأى قانون أو شريعة دينية تبيح ذلك؟.
الإتفاقية الثالثة من إتفاقيات منظمة الأمم المتحدة الخاصة بآسرى الحرب تحدد أن الآسرى هم أشخاص أصبحوا خارج دائرة القتال فاقدى السلاح والقدرة على المقاومة وبالتالى يكتسبون حماية قانونية كاملة....هذه الحماية لا تقتصر على منع تعذيبهم أو إهانتهم بل تمتد لتشمل الحق فى الحياة بكرامة داخل معسكرات الإحتجاز مع توفير الغذاء والرعاية الطبية والزيارات لهم....ولا يجوز تعريض الآسير لأى عقوبة دون محاكمة عادلة تستوفى كافة الضمانات القانونية....وأثناء الإستجواب لا يجبر على الإدلاء إلا بمعلومات أساسية كالأسم والرتبة والرقم العسكرى ولا يجوز تعذيبه لإستخلاص معلومات... فأين كل تلك الضمانات من هذا القانون الذى تم إقراره فى إسرائيل؟.
إن الآسرى الفلسطنيين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الفلسطينى تضم الآلآف الأفراد المحتجزين لأسباب سياسية وبعضهم فى جرائم قتل خطأ أو إصابات أدت إلى الموت فهل إعدامهم جميعًا سوف يؤدى إلى إنهاء النزاع؟ من المؤكد أن ذلك سوف يزرع بذورًا جديدة لمزيد من التمرد والمقاومة ويعمق الجرح الإنسانى لهذا الشعب المسلوب ويدعم حالة اليأس والغضب لديه مما يغذى دورة العنف بدلًا من حلها لشعوره إنه لم يعد هناك هدف يعيش عليه وإنه سوف يتحقق وبالتالى فإن الإستشهاد أصبح يمثل له قيمة وغاية منشودة يسعون إليها...وهنا تتحول المقاومة إلى سلوك أكثر عنفًا لا قيود عليها بعدما فقد المقاوم ثقته فى إنه سوف يعامل بكرامة إذا وقع كأسير حرب إن إستسلم وبالتالى سوف تزداد وحشية المعارك وتتسع دوائر الدم بعدما تحول الإستثناء وهو أحكام الإعدام إلى قاعدة بعد إقرار هذا القانون وتصبح القسوة عادة بين الطرفين وهنا تفقد الإنسانية معناها عندما يعجز المدافع عن حقه وحق بلاده فى الحصول على أبسط حقوقه التى كفلها له القانون والأعراف والمواثيق الدولية وهو حق الدفاع عن النفس.
كانت مصر كعادتها أولى الدول التى أعلنت رفضها القاطع لهذا القانون قبل أن تتحرك منظمات حقوق الإنسان والإتحاد الأوروبى والعديد من دول العالم الأخرى عدا الولايات المتحدة الأمريكية.... حيث أدانت بأشد العبارات هذا التشريع الباطل وإعتبرته نهجًا تمييزيًا ممنهجًا يعزز نظام الفصل العنصرى من خلال التفرقة بين الفلسطنيين وغيرهم وأعلنت رفضها القاطع له...كما دعا شيخ الأزهر العالم للوقوف فى وجه قرارات الإحتلال الغاشم مطالبًا بإنقاذ أكثر من 10 الآلآف آسير فلسطينى من خطر الإعدام داخل السجون الإسرائيلية وهو ما أثار قلقًا كبيرًا لدى الإحتلال وسط مطالبات متزايدة بوقف تنفيذ القرار...كما إعتبرته وزارة الأوقاف إنتهاكًا صارخًا للقيم الإنسانية وإنحدارًا أخلاقيًا وسياسيًا يكشف عن توجهات عدوانية لا تقيم وزنًا لحرمة النفس الإنسانية ولا تلتزم بأبسط قواعد العدالة التى أقرتها الأديان السماوية والقوانين الدولية....ولا شك أن جموع أبناء الشعب المصرى الذى طالما دافع وإحتضن القضية الفلسطينية لهم نفس الموقف الرافض لهذا القانون ويؤيد موقف القيادة السياسية والهيئات الدينية تجاهه.
إن قانون إعدام الآسرى يمثل صفحة سوداء جديدة فى تاريخ إسرائيل ولكنه لن يكون الكلمة الأخيرة فى صمود الشعب الفلسطينى ولا فى حقه فى الحياة والأمل فى الإستقرار والعودة وتقرير المصير.


















0 تعليق