في كتاب «حدوتة ع الماشي» للدكتورة لميس جابر، الصادر عن دار أطياف للنشر، تفتح الكاتبة نافذة ثرية على جذور اللغة اليومية، مؤكدة أن كثيرًا من الألفاظ التي نستخدمها في حياتنا العادية تعود في أصلها إلى لغات أقدم، كالمصرية القديمة والقبطية، وأن هذه الكلمات لا تزال حية في وجداننا دون أن نلتفت إلى تاريخها العميق.
ومن بين هذه النماذج، تتوقف جابر عند أسماء بعض الطيور الشائعة في البيئة المصرية، لتكشف عن أصولها ودلالاتها، فعلى سبيل المثال، طائر «السمان»، الذي اعتاد المصريون طهيه بطرق متعددة، من الحشو إلى الشواء، يحمل اسمًا ضاربًا في القدم، إذ تعود تسميته إلى اللغة القبطية القديمة، حيث كان ينطق «سامونة»، وهو اللفظ الذي يشير مباشرة إلى هذا النوع من الطيور، قبل أن يتطور مع الزمن إلى صورته الحالية.
أما «الطاووس»، ذلك الطائر الذي ارتبط في المخيال الشعبي بالجمال والزهو، فتتعدد الروايات حول أصل تسميته، فهناك من يعيدها إلى أصول هندية قديمة، نظرًا لارتباط هذا الطائر ببيئته الأولى في الهند، بينما تكشف الدراسات اللغوية عن وجود اللفظ أيضًا في القبطية بصيغة «طأووس»، حيث كانت الهمزة جزءًا من بنية الكلمة قبل أن تسقط تدريجيًا مع تطور النطق، لتستقر في صورتها المعروفة اليوم.
ولا تقتصر الرحلة على أسماء الطيور فحسب، بل تمتد إلى بعض التعبيرات الدارجة المرتبطة بالحياة اليومية، مثل وصف «الفراخ الشمورت»، الذي يستخدم في العامية المصرية للإشارة إلى الدجاج الصغير أو الخفيف، وتوضح الكاتبة أن كلمة «شمورت» ذات أصل قبطي، وكانت تنطق «شاموريتس»، وتحمل معنى النحافة ودقة الساقين، وهو وصف دقيق لحال هذا النوع من الطيور.
وتستحضر جابر من خلال هذا المثال مشاهد من الذاكرة الشعبية، حين كان الأطباء قديمًا يوصون المرضى بتناول «أكل خفيف» مثل «الفراخ الشمورت»، في دلالة على سهولة هضمها وخفتها.
بهذا الطرح، تؤكد الكاتبة أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل سجل حي يحمل آثار الحضارات المتعاقبة، وأن العامية المصرية، بما تحويه من مفردات، تمثل امتدادًا طبيعيًا للغات قديمة ما زالت تنبض بالحياة في تفاصيلنا اليومية.
















0 تعليق