الخميس 02/أبريل/2026 - 06:27 م 4/2/2026 6:27:10 PM
منذ عام 2014م وكل من يساند السيسى فى حكم مصر يتم كيل الاتهامات له. وبعد مرور هذه السنوات، وبعد أن مر بمصر والإقليم ما عاصرناه من أحداث كبرى، فأنا شخصيًا لا أكترث كثيرًا لهذه الاتهامات وأصر على الاستمرار فى تأييد هذا الرجل من أجل مصر. ونحن على أعتاب تحولات سياسية واقتصادية ضخمة إقليميًا وعالميًا، وقبل أن تختلط الأمور بين ما حققته إدارة الرجل فى مصر وبين ما سيشهده العالم من أزمات كبرى، فإننى أصر على توثيق شهادتى كمواطن مصرى معاصر لما حدث ويحدث وكقارئ جيد لتاريخ مصر. وسأقدم فى نهاية المقال إجابة السؤال.. لماذا أكتب ذلك الآن؟
(1)
ومقياس الحكم على فترة سياسية معينة خاصةً فى مصر ليس كما يتوهم البعض بتحقيق سعة العيش لمن يستحق ولمن لا يستحق. إنما المقياس المنصف يشمل وضع تلك الفترة فى محيطها السياسى وظروفها ومفرداتها، كما يشمل حصر ما تم تحقيقه من قائمة الأهداف المرجو تحقيقها فى ظل ما كان قائمًا من تحديات وظروف ومصاعب وأخطار. أى يجب أن نقرأ مشهد كل فترة بكل ما يحيطها فى مصر وخارجها، ثم نرى ما حققته الإدارة الحاكمة فى سنوات حكمها. ما وعدتْ به، وما أنجزته، ما قضت عليه مما واجه مصر من أخطار، وما نجحتْ فيه مما خاضته من تحديات. لا تكون مقارنة قيمة العملة المحلية مقابل الدولار من عصر لعصر مقياسًا منصفًا إذا لم تكن تلك القيمة نتيجة لإنتاج حقيقى فى كل عصر. فمثلًا كانت قيمة الجنيه المصرى رسميًا حين سقطت دولة مبارك حوالى ستة جنيهات، لكن هذه لم تكن قيمته الحقيقية مقابل الإنتاج المصرى، وإنما كانت الدولة تضخ ميزانيتها- المقتطعة من الإنفاق على شتى مرافق الدولة وقطاعات الخدمات والتنمية- لتثبيت تلك القيمة الوهمية.
اخترتُ عصر محمد على كبداية؛ لأنه العصر الذى يتم به تأريخ دخول مصر للحقبة الحديثة بعد أن طرق الغزو الفرنسى أبواب مصر فى نهايات العصور الوسطى المظلمة فى مصر. نجح محمد على فى بناء دولة حديثة تحقق له طموحه، وهو بحقٍ بانى مصر الحديثة بمدارسها ومصانعها وزراعاتها المتطورة وجيشها وجامعاتها. نجح نجاحًا مبهرًا لم يكسره سوى طموحٌ شخصى تصادم مع أطماع استعمارية غربية ومع تقدير قدراته بشكل واقعى.
فشل خلفاؤه فيما نجح فيه عميد الأسرة العبقرى. قادهم الفشل إلى سقوط مباشر تحت الهيمنة الغربية الاستعمارية الاقتصادية أولًا ثم العسكرية التقليدية المتوقعة. لا يمكن أن نقيم فترات الملكية- فى النصف الأول من القرن العشرين- تقييمًا موضوعيًا منصفًا، لأن أى دولة تفقد حريتها واستقلالها تفقد قرارها. لم يكن ما يتم ترويجه الآن عن مباهج الفترة الملكية سوى حلاوة روح متبقية من قوة دفع ذاتية لدولة محمد على، ولا يمكن الزعم بأن أحد ملوك مصر قبيل ثورة يوليو قد وضعوا لأنفسهم قائمة أهداف محددة ثم عملوا على تحقيقها. ما حدث كانت تسيره ظروف إقليمية أقوى منهم، ولنا فى حادثة 4 فبراير خير مثل. كانوا يديرون مصر ولا يحكمونها بالمعنى الكامل. استمر ما شيده محمد على من منشآت تعليمية فى مساره الطبيعى، والذى رعته دولة الاحتلال التى لم تضع فى حسبانها أنها سترحل يومًا ما. خطوط السكك الحديدية ومستشفيات العصر الملكى وغيرها من مظاهر كانت منطقية فى ظل بقاء دولة الاحتلال وبرطعة الغربيين فى مصر. ومن يريد أن يرى مصر على حقيقتها فى تلك الفترة فليقرأ ما كتبه أكبر أطباء إنجلترا الرسميين الذين تولوا القطاع الطبى فى مصر «سيسيل ألبورت» فى كتابه الوثائقى «ساعة عدل واحدة» عن أحوال مصر الاجتماعية فى الفترة من 1937م وحتى 1942م. كان عصر محمد على هو الأقوى والأنجح والأكثر وضوحًا- طوال قرنٍ ونصف القرن، من بداية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين- وذلك من ناحية وضع برنامج أو رؤية معينة للحكم نجح فى تحقيقها. ومن الإنصاف للرجل أن أقول ذلك. ما حدث بعده- مقياسًا بما أنجزه هو- يعد تراجعًا وتدهورًا برغم كل مظاهره التى يُخدع فيها اليوم بعضُ المصريين. حكام مصر منذ الاحتلال البريطانى حتى عام 1952م لم يكونوا حكامًا كاملى الأهلية والقرار حتى نستطيع الحكم على فترات حكمهم. كانت تناطحهم السلطة قوةُ احتلال خشنة، حتى وإن تركت لهم بعض شئون الحكم المحلى ظاهريًا، لكنها لم تكن لتسمح لأحدهم بقرارات كبرى ذات تغييرات حاسمة، أو لم تكن لتسمح لأحدهم بوضع رؤية مثلًا لتعليم عموم المصريين أو رفع مستوى معيشتهم أو حتى حمايتهم من ممارساتٍ أفاض الطبيب الإنجليزى الذى ذكرته فى وصف بعضها.
(2)
من العام 1952م حتى الآن لدينا سبعة عقود ونصف من الحكم الجمهورى المستقل تصلح للبحث والمقارنة. الحقبة الناصرية حقبة التحول الكبرى من نظام حكم إلى نظام حكم مختلف بكل أدواته ومفرداته. مع كل التقدير لوطنية جمال عبدالناصر ومشروعه لبناء دولة عصرية، إلا أن تلك الحقبة فى مجمل ما حققته- وفقط بناءً على ما وضعته لنفسها من أهداف- لم تحقق النجاح المنتظر. لقد أخفقت تلك الحقبة فى تحقيق أهدافها التى لم تكن تعبر بشكلٍ كامل لا عن هوية مصر الحقيقية، ولا عن طموحات المصريين الحقيقية ولا ما كانت تحتاجه مصر. كان يمكن لتلك الحقبة أن تحقق نجاحاتٍ أكبر لو أنها قد مصّرت أهدافها وطموحاتها. تأثر قادتها عاطفيًا بأحداث سياسية إقليمية، ولم يكن لدى مفكريها لا الوعى ولا الشجاعة لتصويب بوصلة الإدارة الحاكمة. أهدرت مصر كثيرًا من مقدراتها بناءً على تقديرات خاطئة عن طبيعة الارتباط الذى يمكن أن يجمع مصر بجيرانها. اختلطت الشعارات بالقرارات السياسية. تسبب هذا الخلط فى أن تدفع مصر ثمنًا باهظًا من مستقبل أبنائها. ولكى لا يكون الحديث مرسلًا، فلنتخيل لو أن تلك الفترة قد وضعت مشروعًا مصريًا خالصًا لاستكمال ما بدأه محمد على من بناء دولة عصرية حديثة. لو آثرت مصر آنذاك أن تخوض قضاياها المحلية التنموية فقط دون أن تزج بنفسها فى الصف الأول فى معارك من المفترض أن مسئوليتها السياسية والأخلاقية تقع على عاتق جميع دول المنطقة. لو أن بعض المفكرين كانوا على قدر المسئولية وصارحوا القيادة بأن لمصر شخصية مستقلة وأن لها مصالح مصرية محلية خالصة وأن أمامها طريق بناء طويل، لربما تغير تاريخ مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين. تأميم قناة السويس كان مشروعًا ووطنيًا ومبررًا لأنه قرار مصرى خالص تم اتخاذه بناء على معلومات منشورة فى وسائل إعلام غربية. بناء السد العالى كان منطقيًا ومبررًا؛ لأنه مشروع مصرى خالص. أما كل مشاريع الوحدة العربية السياسية التى تمت محاولة خلقها وفشلت فلقد كلفت مصرَ الكثير من المال والسنوات المخصومة من مستقبل المصريين وحملتها بمزيد من التحديات التى ورثتها الأجيال اللاحقة. الاندفاع السياسى للقيادة المصرية منفردة جعل مصر تدفع الثمن منفردة. فشلت تلك الحقبة فى تحقيق هدفها الذى استحوذ على نصيب الأسد من عقلها ومسلكها السياسى وهو هدف تحقيق وحدة عربية سياسية غير منطقية وغير ناضجة وغير متسقة مع علوم السياسة وحقائق التاريخ. اتضح أن الجميع يشارك فى هذه الوحدة بالأشعار والخطابة، بينما تركوا مصر وحدها وقت المواجهة. هذا الفشل ألقى بضبابه على مشاريع مصر الحقيقية. وبعضهم لم يكتف بالتخلى، وإنما شارك بخيانة مباشرة لاستدراج مصر. مات الزعيم جمال عبدالناصر- رحمه الله- كمدًا، وسيناء محتلة وقناة السويس خارج السيادة المصرية، والعربُ يسفكون دماء بعضهم البعض، وما يقولون عنها إنها قضيتهم المحورية أصبحت سببًا لتمزيق استقرار أوطانٍ ودولٍ أخرى بأيدى من يزعمون الجهاد من أجلها، وفى خضم ذلك فلقد رحل ناصر واقتصاد مصر على حافة الهاوية. أنا شخصيًا أحب ناصر جدًا وأشعر بالحزن الشديد حين أطالع سيرته، لكن التاريخ لا يقاس بالهوى الشخصى. للأسف لقد كان الزعيم صادقًا فى دعواته لإقامة وحدة عربية ومؤمنًا بإمكانية تطبيق الفكرة، لكن أحدًا من المفكرين المصريين لم يخبره بحقيقة الشخصية المصرية واختلافها عن باقى شخصيات دول المنطقة. لم يهمس أحدهم له بأن هناك بدائل منطقية تمارسها الدول مثل اتفاقيات التعاون المشترك وتبادل المصالح فى مجالات مختلفة، لم يقم المفكرون بدورهم وزينوا له فكرة الإصرار على فرض وحدة سياسية شعبوية لا مكان لها على أرض الواقع.
(3)
جاء السادات للحكم ومصر على هذا الحال. لا يمكن أن نطالبه بأكثر مما فعل.. النصر العسكرى المعجز واسترداد قناة السويس، ثم باقى الأرض المصرية. لقد نجح السادات نجاحًا تامًا فى الهدف الأوحد وهو تحرير الأرض. كان حكمًا قصيرًا زمنيًا فى ظل احتلال الأرض، ولم يسعفه الوقت لتحقيق أكثر من الهدف الأهم، ولم يسعفه الوقت لاختبار رؤيته الاقتصادية فى الحكم. لكنه نجح نجاحًا آخر مهم وهو إعادة صياغة فكر الحكم فى مصر وتصويبه وتمصيره. لكنه سقط فى فخٍ آخر هو ما ستدفع مصر ثمنه بعد سنوات، كما دفع هو نفسه حياته ثمنًا له. لقد أطلق لأفاعى الإسلام السياسى الحرية للعبث فى التربة المصرية. بعض الشخصيات السياسية تصيب أى قارئ للتاريخ بالحيرة. عبقرى وأحق بلقب داهية سياسى، لكنه يسقط فى خطأ فكرى وحسبة سياسية خاطئة باهظى الثمن.
أتى مبارك للحكم بعد اغتيال رئيسها، ومصر تواجه محنة اقتصادية كبرى بسبب مقاطعة الأشقاء لها بعد أن استنزفت الحرب اقتصادها، كما كانت تواجه توحشًا من قبل جماعات الإسلام السياسى. لكن هذا كان أقل بكثير مما ورثه السادات حين كانت سيناء تحت الاحتلال. لقد فرطت دولة مبارك فى الفرصة الذهبية بتقاعسها عن مشاريع الإصلاح الاقتصادى، وتقاعسها- بخلاف المواجهة الأمنية- عن مواجهة قطعان الجماعات المتأسلمة مواجهة حقيقية فكرية. لقد أهملت دولة مبارك فيما كان يمكن أن تقوم به المؤسسات الفكرية والدينية والإعلامية من دور توعوى يقى المصريين شر السقوط فى فتنة الخطاب الدينى المتطرف. طول بقاء مبارك فى الحكم ساعد فى تضخم الإرث الأسود الذى تركه لمن بعده. ولأنه كان يطمح فى توريث نجله للحكم فلقد تقاعس مرة ثالثة عن إعداد قيادات من الصف الثانى لتولى المسئولية من بعده، حتى أضيفت محنة الفراغ السياسى المفتعل عن عمد لقائمة الإرث الأسود، فكان ما كان فى مصر. لم يوثق التاريخ لمبارك أنه كان ذا رؤية فى الحكم خاصة به. كان كمن يدير منشأة لا كم يحكم دولة بحجم مصر.
غادر مبارك الحكم فى فبراير عام 2011م وتولى السيسى الحكم فى يونيو 2014 أى بعد أكثر من ثلاث سنوات هى الأخطر فى أكثر من سبعة عقود ونصف هى عمر الحكم الجمهورى فى مصر.
(4)
محصلة سنوات حكم مبارك بالإضافة لتلك السنوات الثلاث المفصلية- عام حكم المجلس العسكرى فقط للحفاظ على بقاء مصر وسد احتياجات شعبها ومقاومة ما يحدث على الحدود، وعام حكم الجماعة الإرهابية ثم عام انتقالى تحت رئاسة المستشار عدلى منصور- كانت كالآتى..
اقتصادٌ على وشك الإفلاس.. أزمات طاقة وكهرباء وغاز، وتوقف إنتاج صناعى بسبب التخريب والإضرابات الفئوية، وتوقف التصدير تقريبًا بشكل شبه تام بسبب الفوضى فى الموانئ المصرية..غياب للأمن فى الشارع.. دخول ملايين من غير المصريين لمصر.. ميليشيات مسلحة متعددة الجنسيات على أرض سيناء.. فوضى حدودية غربًا وشرقًا وجنوبًا.. انهيار العملة المصرية لتوقف ضخ أموال تثبيتها وتوقف الإنتاج.. توقف موارد العملة الصعبة من قطاع السياحة.. فوضى خطاب دينى فى مساجد مصر استمرارًا لما كان سائدًا لعقود.. تهديد مصر بفرض عقوبات دولية عليها.. مواقف عدائية من مؤسسات إفريقية.. خطر تهديد الأمن المائى لمصر.. تهريب أعداد مهولة من قطع السلاح عبر الصحراء الغربية.. جرائم إرهابية ضد مؤسسات ودور عبادة دينية مصرية وضد شخصيات مصرية وقضاة ورجال شرطة وقوات مسلحة.. أزمات معيشية خانقة وفقد السيطرة على الأسواق.. ملايين المشردين بلا مأوى أو من سكان عشوائيات لا تليق بمصر ولا المصريين. غياب تام لمفهوم الدولة فى عقول المواطنين حيث لا يوجد نظام ضريبى حقيقى وحيث اقتصاد خارج أى أوراق رسمية، وحيث الجميع يستبيح لنفسه ما يستطيع الحصول عليه من مال عام- من سرقة تيار كهربائى إلى فساد وظيفى مخيف على أعلى المستويات- وحيث الرشوة نظام حياة بدءًا من المخبز وصولًا لمستويات عليا.
هذا هو الواقع الذى عاصرناه عام 2014م حين تم انتخاب المشير عبدالفتاح السيسى رئيسًا لمصر. وكل حقيقة من تلك الحقائق- سواء بمفردها أو لو اجتمعت مع حقيقة واحدة ثانية- كانت تكفى لإسقاط حكومات وإثارة الفوضى فى دول. لم يكن المشهد وقتها أن رئيسًا جاء ليحكم، إنما رجلٌ اختارته الأقدار «علشان يشيل الشيلة التقيلة». وإذا كانت هذه المشاهد أو الحقائق هى ممن يعلمها الجميع، فإنه بلا شك كانت هناك مئات الحقائق الأخرى المخيفة التى لا يعلمها العامة عن حقيقة الموقف الاقتصادى وما تتعرض له مصر من ابتزاز سياسى غير معلن على المستوى الدولى من القوى العظمى التى أنفقت وحضرت خونة الجماعة للحكم فى مصر كما فعلت فى دول أخرى.
كان مصريون كثر لا يعتقدون أن مصر يمكنها أن تعبر كل ذلك. غالبية المصريين وقتها لم يكن لديهم الثقة الكاملة فى عبور مصر لهذه الحقائق على الأرض، وكانت غاية كثير منهم أن يستطيع الرجل الحفاظ على مصر وفقط. وقطعان جماعات التأسلم السياسى استمروا فى طريقهم وهم على يقين أن إدارة السيسى ستعجز عن عبور كل ذلك، وأصبحوا متأهبين للاحتفال مع كل قرار حيث يتوقعون وينتظرون مشاهد الفشل واليأس والإحباط. كانوا متأكدين أننا سنفشل، وكانوا وكأنهم يجلسون ويترقبون فقط لمعرفة متى سنفشل، هل بعد يوم أو شهر أو بعد أزمة أو أزمتين.
(5)
فماذا حققت إدارة السيسى فى حكم مصر فى ظل السنوات السابقة فى ظل تلك المعطيات على الأرض؟
فى السنوات الأربع الأولى نجحت تلك الإدارة فى حسم المعركة العسكرية على أرض سيناء حسمًا قاطعًا لا شك فيه، وأعادت للحدود الشرقية المصرية هيبتها بعد أن أعادت بناءها بشكل استبق ما واجهته مصر بعدها بسنوات قليلة، حين تم التواطؤ الصريح من جيرانٍ وأعداء وقوة دولية عظمى لاستباحة أرض مصر فى السابع من أكتوبر عام 2023م. إذن نجح الحكم فى هدف أول هو الأقوى والأهم ولا يقل فى قيمته عن نصر السادس من أكتوبر عام 73م، حيث كان الهدف واحدًا وهو صون أرض سيناء. ولم تكن المواجهة ضد الميليشيات كما يتصور البعض ضد مجموعات شاردة من المتطرفين، لكنها كانت مواجهة ضد جيوش عصرية وأجهزة معلوماتها التى اختارت أن تخوض تلك المواجهة خلف الستار وأن تترك هؤلاء الإرهابيين كواجهة. لو لم تحقق إدارة السيسى غير هذا الهدف لكان يكفى أن نصفها بالناجحة، لكن ما حدث كان معجزًا بشكل حقيقى. ففى نفس وقت المواجهة العسكرية كان هدير ماكينات البناء والتنمية تقوم باقتحام مناطق من صحراء مصر لأول مرة فى التاريخ، كما كانت تقوم بتشييد مئات الآلاف من الوحدات السكنية لإيواء المصريين القاطنين فى العشوائيات أو الذين يمكن وصفهم بأنهم بلا مأوى. وفى نفس الوقت كانت قوافل طبية تجوب قرى ونجوع مصر لتقضى على قوائم إنتظار لمرضى أمراض متوطنة أو مزمنة. ألم يسأل أحد المتنطعين نفسه من أين أتى السيسى بميزانية كل ذلك؟! ألم يخجل أحدهم من نفسه وهو يمارس سماجته ويحاول ترويجها بسؤال أين أنفق السيسى أموال مصر؟!
لقد قرر السيسى أن يخوض كل الملفات فى نفس الوقت. لم يكن قرارًا عاديًا، لكنها كانت رؤية حكم وطنى يعرف ما كانت عليه مصر. كانت تلك الرؤية هى الثالثة فى تاريخ مصر الحديثة. الأولى تحققت بنجاح وهى رؤية محمد على التى منحت لمن بعده قبلة الحياة والاستمرار. الرؤية الثانية بعد عام 52م التى لم تنجح النجاح المنتظر لما شابها من تشوش فى تحديد الأهداف، وسبل تحقيقها، وإهدار طاقات وقدرات فى معارك غير مصرية ولا تصب فى سبيل تحقيق تلك الرؤية. مرت سنوات حكم مبارك دون أن يكون للحكم رؤية أو طموح غير البقاء على قيد الحياة، وهو طموح لا يليق بمصر.
(6)
ارتكزت صياغة وسبل تحقيق رؤية إدارة السيسى فى الحكم على عدة أسس. أولها إدراك الفارق بين البناء التنموى المجرد، وبين السير فيه كتفًا بكتف مع تأهيل العنصر البشرى المصرى تأهيلًا علميًا عصريًا. هذا الإدراك الذى افتقدته إدارة مبارك فى السنوات العشر الأولى التى شهدت نشاطًا لا يمكن إنكاره فى بناء بنية أساسية. بناء بنية أساسية أو تنموية دون تأهيل العنصر البشرى علميًا وعصريًا هو بناءٌ مصيره الانهيار سريعًا وهو بمثابة هدر للموارد. لتحقيق رؤية إدارة السيسى فى المزج بين البناء التنموى وإعداد المصريين، طرق نظام الحكم طريقين، أولهما توجيه الشباب المصرى بقوة نحو العلوم العصرية المطلوبة لبناء دولة عصرية ثم استمرار تلك الدولة وعدم انهيارها بمجرد تغير نظام الحكم. أما الطريق الثانى الشجاع فقط كان محاولة تحرير العقل المصرى الجمعى من سيطرة قادة التطرف الدينى، سواء كانوا رجال دين رسميين يعملون فى مؤسسات دينية رسمية، أو جماعات متطرفة، لما سببه ذلك الخطاب الدينى المشوه من إهدار طاقات المصريين فى غير موضعها ونشر الخرافات والجهل والحط من قيم العلوم والفنون.
الأساس الثانى الذى ارتكزت عليه هو تحقيق دولة القانون على أرض مصر بكل ما يعنيه هذا المصطلح. هذا يعنى رقمنة جميع إدارات الحكم المحلى للقضاء على الفساد، وهذا يعنى وضع كلمة النهاية لعقود طويلة من استمراء أكل المال العام دون وجه حق بمختلف أوجه هذا الأكل. وضع كلمة النهاية لذلك كان يعنى رقمنة كل ما يتعلق بالضرائب فى مصر. ورغم كل التململ الذى واجهته تلك الإدارة فى طريق تطبيق هذه الرقمنة، إلا أنها سارت فى الطريق الصحيح.
الأساس الثالث كان إفاقة المصريين من أوهامهم. لقد أغرقت دولة مبارك المصريين فى هذه الأوهام بما ترتب على ذلك إرهاق كاهل الدولة بعدد سكان غير طبيعى وغير منطقى. وهم استحقاق التعليم المجانى والخدمات المجانية وقيمة العملة المصرية الوهمية، والأسعار الوهمية..كل ذلك جعل ملايين المصريين يعتقدون أن هذه الأوهام هى الحقيقة وأن أى محاولة لزعزعتها على الأرض- بمحاولة إلزام المواطنين بالوفاء باستحقاقات الدولة القانونية والمالية- هى ظلم يتعرض له المواطنون! بدا الكثير من المصريين وكأنهم يحيون خارج كوكب الأرض رغم أن كثيرًا منهم كان يسافر للخارج أو يعرف من مصادر يقينية أن ما يعتقده المصريون مجرد أوهام. نجحت إدارة السيسى فى إفاقة المصريين رغم قسوة هذه الإفاقة، لكنها كانت حتمية لبناء دولة حقيقية.
الأساس الرابع هو مبدأ الالتزام بمراعاة الجوانب الإجتماعية والإنسانية المصاحبة لهذه الإفاقة، لكن الفارق بين هذا الالتزام وبين ما كان سائدًا أيام مبارك هو أن هذا الالتزام الذى ألزمت إدارة السيسى به نفسها كان التزاما منصفًا عادلًا يفتش بشكل حقيقى عن مستحقيه ولا يهدر مقدرات الدولة فى تقديم دعم لملايين لا تستحقه.
والأساس الخامس، أنها قد استوعبت تاريخ مصر ودروسه، وأدركت أن كل بناء وتنمية فى هذه المنطقة من العالم قد يكون مصيره للزوال إن لم تكن له قوة تحميه، لكنها يجب أن تكون قوة متزنة منطقية، متواضعة فى الحديث عن نفسها، وغير مستجيبة لدعوات ابتزاز، أو أصوات إطراء ذات هوى وغرض.
(7)
بناءً على تلك الأسس، وبناءً على رؤية واضحة محددة، حققت إدارة السيسى إنجازات فاقت ما كان يحلم به مصريون كُثر. وصلنا الآن للحظة التى يمكننا خلالها سرد قوائم كبرى من تلك الإنجازات لا يتسع المقام هنا للإحاطة بها. ولا مجال هنا لمخاطبة أو الحصول على رضا الموهومين الذين يسيئون تفسير عبارة مصر هى أمى. فالمعنى المستقيم المتفق مع قيم النخوة أن الأبناء ملزمون بالدفاع عن أمهم، وليس المعنى أن المواطن هو طفلٌ مدلل يأبى الفطام من استحلال أموال أمه! أنا هنا أخاطب ذوى العقول والإنصاف والموضوعية.
تكفى عباراتٌ للإشارة لكل ملف من الملفات التى اقتحمتها إدارة السيسى، ولمن يريد الاستزادة فعليه أن يبحث عن معلومات إضافية.
زيادة الرقعة الزراعية عن طريق استصلاح صحراوات مصرية بما يوازى إضافة خمسين بالمائة لما تمتلكه مصر عبر تاريخها الممتد وبعد مشروع السد العالى، وهو إنجاز لا يدرك قيمته إلا من يعرف تاريخ الزراعة المصرية.
تحقيق فائض كهرباء وتصديرها، وهنا يكون من العبث أن تناقش من لا يدرك الفارق بين إنتاج الكهرباء وبين قصة الغاز المسيل الذى يلزم لتشغيل محطات الكهرباء.
العودة لإنتاج زراعة الأقطان طويلة التيلة. شراكات مع كيانات تكنولوجية عالمية منها ألمانية على سبيل المثال لتأهيل جيل مصرى للقيام بتشغيل مصانع تكنولوجية على أرض مصر. إنتاج أجهزة تكنولوجية لأول مرة فى مصر مثل أجهزة المحمول وعودة مصانع السيارات المصرية للعمل.
فى ملفات صيانة العقل المصرى، استطاعت هذه الإدارة تحقيق خطوات كبرى فى سبيل تصويب الخطاب الدينى مؤسسيًا فى مصر واقتربت من إعداد جيل جديد من العلماء المعتدلين المؤمنين بالقضايا المصرية والمدركين لحقائق فصل الخطاب الدينى وعدم الزج به فيما لا يخصه من شئون الحكم. واستطاعت بعث قضية الهوية المصرية من مرقدها. وخلقت إعلامًا مصريًا جديدًا- إخباريًا وفنيًا- يستطيع مواجهة ما كان يتم توجيهه من قيم غير مصرية، رغم بعض التحفظات على بعض الأسماء وبعض تفاصيل هذا الملف.
لقد أنقذت إدارة السيسى الاقتصاد المصرى وجعلت منه اقتصادًا حقيقيًا تتناسب قوته مع ما ينتجه المصريون. لو أراد المصريون أن تزيد قيمة العملة المصرية فليعملوا بشكل حقيقى وليكن إنتاجهم أكثر من استهلاكهم.
أهم نجاحات تلك الإدارة هو إدارة الأزمات الخارجية. كيف واجهت كل أزمة وكيف استطاعت الإبقاء على معدلات النمو رغم ما كان يعترض العالم من أزمات دولية كبرى «الحرب الروسية الأوكرانية، كوفيد، وحرب غزة».
(8)
هل لا توجد إخفاقات؟ قطعًا هناك إخفاقات أو أداءٌ لا تتناسب قوته مع قوة الإنجاز فى باقى الملفات ككل بلاد العالم. لكن ما حققته تلك الإدارة- فى ظل ما كان يحيط بمصر من مفردات حين وصلت للحكم- هو إنجاز غير مسبوق منذ عصر محمد على. هذه حقيقة بالورقة والقلم والأرقام الحقيقية، ولن يغيرها أو يزيفها الهوى الشخصى، ولن تستطيع ملايين الصفحات الموجهة تزييفها. من وجهة نظرى الشخصية من أهم الإخفاقات، أو لنقل عدم التعامل مع الملف بنفس القوة والوعى والإدراك هو ملف المقيمين الأجانب فى مصر وملف تدخل بعض المؤسسات الدينية الرسمية فى بعض المشاهد والفعاليات العامة بما يشبه التعبير المصرى الدارج «فرض التواجد ودس الأنف».
من باب الإنصاف أن نقول إن الملايين التى دخلت مصر قد دخلتها بالفعل فى سنوات الفوضى منذ عام 2011م حتى 2014م. كما أن هناك مصريون عاديون قد خانوا مصر بالفعل عبر تسهيل تهريب بعض هؤلاء عبر الدروب الجبلية الوعرة. ومن وجهة نظرى الخاصة أن كل من تورط فى ذلك هو مشروع حقيقى لخائن لمصر إذا ما واجهت مصر موقفًا عسكريًا حاسمًا. وهناك من خان هويته المصرية ورضى لنفسه أن يبيع هذه الهوية عن طريق زيجات مشينة أو العمل كمحلل تجارى لمشاريع غير إنتاجية. لذلك لا يمكن أن نحمل إدارة الحكم بمفردها ما وصل إليه هذا الملف، لأن هناك ملايين قد استطاعت أيضًا الوصول لأراضى دول أوروبية رغمًا عن إرادة تلك الدول. لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وأرى الآن أن إدارة حكم مصر تريد بالفعل استدراك ما حدث. أما ملف تداخل أو قفز بعض ممثلى المؤسسات الدينية الرسمية لكل مشهد عام، فأعتقد أو أتمنى أن يكون ذلك مجرد عارضٍ له ما يبرره. لأن بناء دولة عصرية حديثة بشكل حقيقى يعنى أن يلتزم رجال الدين بعدم التداخل فى الشأن العام بهذه الصورة الفجة التى تثير حفيظة كثيرين وتلقى بالشكوك أو الضباب على رؤية حكم قوية واضحة فى بناء دولة عصرية حديثة.
(9)
بقى السؤال الأخير.. لماذا أكتب هذا المقال الآن؟
كما ذكرت فى بدء حديثى، لا أهتم كثيرًا لأى ألفاظ أو أوصاف يتم إلصاقها بكل من يتحدث بشكل طيب منصف عن حكم السيسى لمصر. لأن هذا ما اعتدنا عليه منذ سنوات. فى كل أزمة وبعد أن ينجح الرجل فى العبور بمصر منها، يصمت هؤلاء وتخرس ألسنتهم فى انتظار أزمة أخرى توهما منهم فى إخفاقه. ما يهمنى هو أن أقول ما استقر فى يقينى وضميرى لأن بلادى هى ما تعنينى ولا يعنينى ما قد يصفنى به البعض.
والسبب فى كتابة هذه الشهادة الآن هو أن العالم مقبل على تغييرات كبرى وأزمات اقتصادية طاحنة. كل دول العالم وشعوبه سوف تتأثر قطعًا بما حدث ويحدث. سوف تقفز الأسعار بطريقة مخيفة. وسوف تتأثر كل القطاعات الاقتصادية على مستوى العالم. الآن كل دولة تشكل غرفة عمل لإدارة الأزمة استراتيجيًا بما يخفف الوطأة عن شعبها بأكبر قدرٍ ممكن. كل ما تابعناه من حديث موجه من قيادات دول ورؤساء حكومات كان حديثًا عامًا لا يقدم وعودًا صريحة بشىء سوى العمل بقوة على تجاوز الأزمة.
قطعًا سوف تتأثر مصر تأثرًا كبيرًا. لذلك كتبت ما كتبت لكى نضع حدًا فاصلًا بين عصرين مختلفين، لكل منه معطياته وظروفه وطرق تقييمه المنصفة.
فمن الإنصاف الواجب أن نقسم عصر أو حكم السيسى لمصر لفترتين مختلفتين، الأولى تبدأ عام 2014م وتنتهى يوم 28 فبراير 2026م حيث بدأت الحرب الإقليمية الحالية. أما الفترة الثانية فهى بدأت منذ 28 فبراير وما زلنا فى بداياتها. إن ما يحدث حتى الآن يؤكد بشكل كبير أن العالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا. سوف تتغير علاقات الدول ببعضها البعض، سوف تغير بعض الدول توجهاتها تجاه محيطها ربما بشكل دراماتيكى. لذلك فمن الإنصاف أن يقدم كل من لديه القدرة شهادته عن الفترة السابقة من حكم السيسى لمصر، لأن ما سوف يحدث فى الفترة المقبلة فى مصر لا يمكن إطلاقًا تعليقه فى رقبة نظام الحكم بمفرده أو جعله تقييمًا لأداء هذا الحكم. النقطة الوحيدة التى سوف تحسب لهذه الإدارة أو تحسب عليها هى كيفية إدارتها للأزمة أو لنقل للكوارث المقبلة.
لا مكان فيما هو قادم لابتزاز شعبى لأى حكومة فى أى دولة. لا مكان لتدليل أى مجموعات أو فئات شعبية فى أى دولة. لا مكان للتململ. فالكل- شعوبًا وحكومات- سوف يدفع ثمن حربٍ لم يكن العالم صاحب قرارها ولا متخذ توقيتها ولا يدرك ماهية أهدافها الحقيقية. كلنا سوف ندفع الثمن. هذه هى الحقيقة التى يجب أن يدركها المصريون. لكن هذا أيضًا لا يمنع مطالبة رئيس الحكومة بحسن اختيار الخطاب المناسب لتوجيهه للشعب المصرى. عليه أن يراجع خطاب ستارمر لشعبه عن الأزمة. كيفية مخاطبة الشعب فيما هو قادم مهم جدًا فأتمنى أن يدرك رجال الحكومة الحالية هذه النقطة.




















0 تعليق