صرح الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، بأن اتجاه الدولة المصرية نحو الاكتفاء الذاتي للطاقة، والذي يشمل تحقيق الاكتفاء الذاتي من البترول والغاز بحلول عام 2030، يمثل هدفًا استراتيجيًا يرتبط بشكل مباشر بتعزيز أمن الطاقة وتقليل الضغوط على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل التحديات التي كشفت عنها أزمة الطاقة بسبب الحرب الإيرانية، والتي نتج عنها تجاوز سعر برميل النفط 116 دولارًا، فيما أوضحت البيانات نموًا متسارعًا في الاستهلاك، في حين بلغ الإنتاج المحلي نحو 58 مليون طن.
كيف تحقق مصر الاكتفاء الذاتي من البترول والغاز بحلول 2030؟ أرقام وخطة التنفيذ
وقال عبد المنعم في تصريحات لـ"الدستور" إن الاستهلاك وصل إلى نحو 82.4 مليون طن، بما يعني أن الإنتاج يغطي حوالي 70% فقط من الاحتياجات الفعلية، وهو ما خلق فجوة تم تعويضها عبر الاستيراد.
كما أدى تراجع الإنتاج المحلي للغاز إلى زيادة ملحوظة في الواردات، حيث ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير خلال 2025 مع استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وزيادتها بعد الحرب الإيرانية.
وتشير تقديرات دولية إلى أن مصر استوردت نحو 9 ملايين طن من الغاز المسال في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 11 مليون طن في 2026 نتيجة استمرار الضغط على الإنتاج المحلي.
وأوضح مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية أن هذا الوضع يعكس معادلة أساسية في سوق الطاقة المصري، تتمثل في نمو الطلب بمعدلات مرتفعة مدفوعًا بقطاع الكهرباء الذي يستهلك نحو 60% من الغاز، إلى جانب التوسع الصناعي والنمو السكاني، وهو ما يفسر استمرار الفجوة رغم تحقيق اكتشافات جديدة بلغت 82 كشفًا بتروليًا وغازيًا خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن الدولة تستهدف تنفيذ خطة شاملة لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول 2030، ترتكز على التوسع في الاستكشاف والتوقيع مع الشركاء الأجانب من خلال طرح مزايدات عالمية في مناطق البحر المتوسط والصحراء الغربية وخليج السويس، مع التوجه لحفر نحو 100 بئر استكشافي لتعزيز الاحتياطيات وتعويض التناقص الطبيعي في الحقول المنتجة.
وكشف الدكتور عبد المنعم أن الخطة تتضمن تسريع تنمية الحقول وربطها بالإنتاج، وهو عامل حاسم لتقليص الفجوة الزمنية بين الاكتشاف والإنتاج الفعلي. وتعمل الدولة على تحسين كفاءة قطاع التكرير، حيث تستهدف زيادة الطاقة التكريرية بنحو 9% لتصل إلى 37 مليون طن خلال عام 2026، بزيادة تقارب 3 ملايين طن، ما يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد المنتجات البترولية النهائية، خاصة في ظل نمو الاستهلاك المحلي بنحو 5% سنويًا.
كما قامت الهيئة المصرية العامة للبترول بتوفير نحو 24.75 مليون طن من المنتجات البترولية خلال 2025 لتلبية احتياجات السوق المحلي، ما يعكس حجم الفجوة الحالية بين الإنتاج والاستهلاك.
وأضاف أن تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يقتصر على جانب العرض فقط، بل يمتد إلى إدارة الطلب من خلال إصلاح منظومة الدعم وترشيد الاستهلاك، إلى جانب التوجه نحو خفض الانبعاثات بنسبة 65% بحلول 2030، بما يتماشى مع التحولات العالمية في قطاع الطاقة ويعزز فرص جذب الاستثمارات الأجنبية.
وأشار إلى أنه في المجمل، فإن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في قطاع البترول والغاز بحلول 2030 يظل هدفًا واقعيًا، لكنه مشروط باستمرار الاستثمارات وتسريع وتيرة الإنتاج ورفع كفاءة الاستهلاك. وتشير المؤشرات الحالية إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية لتحقيق هذا الهدف، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة الفجوة الحالية الناتجة عن الأزمة بكفاءة، حتى تتحول من دولة مستوردة جزئيًا للطاقة إلى دولة مكتفية وقادرة على التصدير بشكل مستدام.


















0 تعليق