شهدت أسعار الذهب في السوق المحلية ارتفاعًا ملحوظًا خلال الربع الأول من عام 2026، مسجلة زيادة تقارب 25%، في حين ارتفعت الأوقية في البورصة العالمية بنحو 8%، وذلك رغم التراجعات الحادة التي تعرض لها المعدن الأصفر خلال شهر مارس والتي بلغت نحو 15%، في واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخ السوق، مدفوعة بتداخل عوامل نقدية وجيوسياسية غير مسبوقة أعادت تشكيل اتجاهات الأسواق العالمية، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية ضد إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد معدلات التضخم، إلى جانب تراجع التوقعات بشأن استمرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تبني سياسة التيسير النقدي خلال العام، وفقًا لتقرير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية – التابع للشركة الإماراتية «سي إم جي» للاستشارات المالية.
وقال الدكتور وليد فاروق، الباحث في شؤون الذهب والمجوهرات ومدير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية، إن أسعار الذهب في الأسواق المحلية ارتفعت بقيمة 1460 جنيهًا خلال تعاملات الربع الأول من العام الجاري.
حيث افتتح جرام الذهب عيار 21 التعاملات عند مستوى 5830 جنيهًا، ثم لامس مستوى 7600 جنيه في 2 مارس، وهو أعلى مستوى في تاريخ الأسواق المحلية، قبل أن يختتم تعاملات الربع الأول في 31 مارس عند مستوى 7290 جنيهًا.
وعلى المستوى العالمي، ارتفعت الأوقية في البورصة العالمية بنحو 350 دولارًا خلال الربع الأول، حيث افتتحت التعاملات عند مستوى 4318 دولارًا، ولامست مستوى 5608 دولارات كأعلى مستوى تاريخي لها في 29 يناير، قبل أن تختتم تعاملات الربع الأول عند مستوى 4668 دولارًا.
الذهب خلال شهر مارس
أوضح التقرير أن أسعار الذهب سجلت تراجعًا ملحوظًا خلال شهر مارس، حيث انخفضت بنحو 3% في السوق المحلية، بما يعادل 235 جنيهًا للجرام. وافتتح جرام الذهب عيار 21 التعاملات عند مستوى 7525 جنيهًا، قبل أن يختتم الشهر عند 7290 جنيهًا.
وعلى الصعيد العالمي، تكبدت أسعار الذهب خسائر حادة، إذ تراجعت الأوقية بنحو 611 دولارًا، بنسبة بلغت 11.5%، بعدما افتتحت التعاملات عند 5279 دولارًا وأغلقت عند 4668 دولارًا، ليسجل الذهب بذلك أكبر انخفاض شهري منذ أكتوبر 2008، وذلك تحت ضغط قوة الدولار الأمريكي الذي ارتفع بأكثر من 2% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير.
وجاءت الضربة الأقسى للذهب خلال الأسبوع الثالث من مارس، عندما انهارت الأسعار إلى مستوى 4100 دولار للأوقية، مسجلة أكبر خسارة أسبوعية منذ 40 عامًا، على خلفية تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز فعليًا، وهو ما تسبب في قفزة كبيرة في أسعار النفط ودفع المستثمرين إلى تسييل الذهب لتغطية خسائرهم في أسواق أخرى، ما أدى إلى موجة بيع حادة في المعدن النفيس.
ورغم تعافي الأسعار لاحقًا إلى ما فوق 4600 دولار مع طرح مبادرات تهدئة، فإن حالة عدم اليقين ظلت مسيطرة على السوق حتى نهاية الربع.
أسعار الفضة خلال الربع الأول
وأوضح «مرصد الذهب» أن أسعار الفضة شهدت أيضًا ارتفاعًا خلال الربع الأول من عام 2026، حيث ارتفعت الأسعار في الأسواق المحلية بنسبة 10.4%، بينما ارتفعت الأوقية في البورصة العالمية بنسبة 4.4%، وذلك نتيجة نمو الطلب الاستثماري والصناعي على الفضة، في ظل نقص المعروض في الأسواق.
وذكر التقرير أن أسعار الفضة في الأسواق المحلية ارتفعت بقيمة 13 جنيهًا خلال الربع الأول، حيث افتتح سعر جرام الفضة عيار 999 التعاملات عند 125 جنيهًا، ثم لامس مستوى 210 جنيهات، قبل أن يختتم التعاملات عند 138 جنيهًا.
أما على المستوى العالمي، فقد ارتفعت الأوقية بنحو 3.2 دولارات، حيث افتتحت تعاملات الربع الأول عند 72 دولارًا، ولامست مستوى 121 دولارًا في 29 يناير كأعلى مستوى في تاريخها، قبل أن تختتم عند نحو 75.2 دولارًا.
وأوضح التقرير أن سوق الفضة العالمي شهد خلال الربع الأول من عام 2026 موجة من التقلبات الحادة، حيث بدأت الأسعار بصعود قوي في بداية العام، ثم تراجع ملحوظ تزامن مع تحولات الاقتصاد الكلي والتوترات الجيوسياسية، مما جعل هذا الربع من أكثر الفترات تقلبًا في مسار أسعار الفضة.
وقد تميز الربع الأول بارتفاعات قياسية في يناير، ثم تصحيح في فبراير، ثم انخفاض واضح في مارس، ويبقى العامل الرئيسي لتحديد اتجاه الأسعار في الربع القادم مرتبطًا بالسياسات النقدية العالمية والظروف الاقتصادية الدولية.
أسعار الفضة خلال شهر مارس
أشار تقرير «مرصد الذهب» إلى أن أسعار الفضة في الأسواق المحلية تراجعت بنسبة 19.7 %، وبنحو 34 جنيهًا خلال تعاملات شهر مارس، حيث افتتح عيار 999 التعاملات عند 172 جنيهًا، ثم اختتمت التعاملات عند 138 جنيهًا.
وفي البورصة العالمية، تراجعت الأوقية بنسبة 20 %، وبنحو 18.8 دولارًا، حيث افتتحت التداولات عند 94 دولارًا، قبل أن تغلق الشهر عند 75.2 دولارًا.
عودة الأسواق لما يعرف بـ "دولار الصاغة"
أوضح مدير «مرصد الذهب» أن أسواق الذهب المحلية، منذ بداية الصراع الأمريكي الإيراني، اعتمدت على سعر دولار أعلى من السعر الرسمي المعلن من البنك المركزي، وهو ما يعرف في السوق باسم "دولار الصاغة".
وقد ظهر هذا المصطلح في الأساس بين تجار الذهب وداخل مجموعات التسعير في سوق الصاغة، وظهر لأول مرة عقب مارس 2022، واستمر حتى مارس 2024 مع قرار الحكومة تحرير سعر الصرف، ثم عاد للظهور مرة أخرى مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية.
وعلى الرغم من نفي بعض أعضاء شعبة الذهب استخدام هذا المصطلح، إلا أنه ظهر بوضوح في أسعار الذهب الخام المتداولة بين التجار، حيث أكدت الشعبة في بيانات رسمية أن الفارق في الأسعار يعود إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد.
وأضاف فاروق أن هذا الفارق بين السعر المحلي والعالمي يعرف باسم "العلاوة والخصم"، وهو أمر طبيعي في الأسواق العالمية، حيث يعتمد على العرض والطلب وتكاليف الاستيراد والتصدير. إلا أن الفارق في بعض الفترات وصل إلى نحو 1000 جنيه، قبل أن ينخفض إلى نحو 300 جنيه.
وأشار إلى أن تكلفة التصدير في أقصى تقدير لا تتجاوز 100 جنيه للجرام، مما يعني أن جزءًا من هذه الفجوة السعرية يستخدم كوسيلة للتحوط في ظل ارتفاع سعر الدولار خلال الفترة الأخيرة.
واختتم الذهب التعاملات أمس عند فجوة سعرية تبلغ 103 جنيهات.
كما ارتفع سعر صرف الدولار في السوق المحلية بنسبة 12.5% منذ بداية الحرب، ليقترب من 55 جنيهًا في بعض البنوك لأول مرة في تاريخه.
وفي الوقت نفسه، اتخذت الحكومة المصرية إجراءات استباقية للحد من الضغوط التضخمية، مثل رفع أسعار الوقود وزيادة عمولة تدابير العملة.
شهدت تحركات الذهب والفضة في البورصة العالمية منذ اندلاع الصراع الإيراني سلوكًا غير تقليدي مقارنة بالنظريات الاقتصادية المعتادة، التي تفترض أن التوترات الجيوسياسية تدفع الذهب دائمًا إلى الارتفاع.
فقد سجل الذهب أعلى مستوياته التاريخية خلال الربع الأول من عام 2026 متجاوزًا 5600 دولار للأوقية في يناير، مدفوعًا بالمخاطر الجيوسياسية والطلب الاستثماري القوي، إلا أن تغير توقعات السياسة النقدية وارتفاع أسعار النفط والتضخم دفع الأسواق إلى إعادة تسعير الفائدة، ما أدى إلى قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، وهو ما ضغط على الذهب وأدى إلى تراجعه بأكثر من 15% منذ بداية الحرب في 28 فبراير.
وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع أسعار النفط بنحو 75% منذ بداية العام إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا، ما عزز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يمثل عامل ضغط على الذهب، لأن ارتفاع الفائدة يقلل جاذبية الأصول التي لا تدر عائدًا.
وهو ما انعكس مباشرة على توجهات المستثمرين في أسواق المعادن النفيسة، وبذلك أصبح الذهب يتأثر بعاملين متضادين؛ الأول يدعمه كملاذ آمن في أوقات الأزمات، والثاني يضغط عليه نتيجة ارتفاع الدولار والفائدة، وهو ما يفسر التقلبات الحادة التي شهدها السوق خلال الربع الأول من العام.
وأكد مدير «مرصد الذهب»، أن الربع الأول من عام 2026 يعد واحدًا من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخ أسواق الذهب والفضة، حيث تحركت الأسعار تحت تأثير مزيج معقد من العوامل الجيوسياسية والنقدية وارتفاع أسعار الطاقة وقوة الدولار.
وأوضح، فاروق، أنه رغم التراجعات الحادة التي شهدها الذهب خلال مارس، فإن الاتجاه طويل الأجل لا يزال مدعومًا بارتفاع الديون العالمية وزيادة مشتريات البنوك المركزية واستمرار المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يبقي الذهب أحد أهم أدوات التحوط في الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
















0 تعليق