شهدت الفترة الأخيرة تصاعد جدل دينى وفكرى واسع حول هوية «شعب الله المختار»، خاصة مع تنامى حضور ما يُعرف بتيار «المسيحية الصهيونية» داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والذى يقدّم دعمًا قويًا لإسرائيل استنادًا إلى تفسيرات دينية خاصة، تزعم أن يهود إسرائيل هم «شعب الله المختار»، وهو ما فتح نقاشًا حول العلاقة بين العقيدة والمواقف السياسية.
ويبرز هذا الملف كإحدى أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، لتقاطعه بين اللاهوت والتاريخ والواقع السياسى، وبات محل اهتمام واسع لدى الباحثين والمتابعين لفهم أبعاده الحقيقية، ومدى توافق هذه الطروحات مع الفهم التقليدى للكنائس التاريخية، وعلى رأسها الكنيسة الأرثوذكسية.
فى هذا السياق، قدّم اثنان من رجال الكنيسة الأرثوذكسية قراءات لاهوتية واضحة لهذه القضية، تنشرها «الدستور» فى السطور التالية.
القمص داود لمعى: القائلون بأن الإسرائيليين شعب الله المختار لا يمكن اعتبارهم مسيحيين أصلًا
قال القمص داود لمعى، كاهن كنيسة «مار مرقس كليوباترا» فى مصر الجديدة، إنه عند قراءة إنجيل متى، وتحديدًا الإصحاح الحادى والعشرين، نجد أن مسألة «الكرومين الأرضيين» واضحة جدًا، وما من أحد من آباء الكنيسة إلا وفسّرها على أنهم اليهود.
وأضاف «لمعى»: «كل القديسين فهموا أن ربنا يسوع كان يخاطب اليهود، وهم (الكرومون الأرضيون). وفى النهاية، كلام المسيح واضح جدًا، إذ يقول إن (الملكوت يُنزع منهم ويُعطى لأمة تصنع الثمر)».
وواصل: «أتعجب اليوم من بعض الذين يخرجون ويقولون إن إسرائيل هى (شعب مختار)، خاصة فى أمريكا. هؤلاء لا يُمكن اعتبارهم مسيحيين بحق، لأن المسيح نفسه اعتبر اليهود الذين قتلوا الأنبياء والمسيح، هم الذين رفضوا اختيار الله، وهذا ما جاء فى كلام المسيح نفسه».
وأكمل: «أما الحكاية الرمزية للكرم، فهى تتحدث عن رجل غنى عمل كرمًا، وسلم الكروم للكرومين، فكانوا يقتلون العبيد ويجلدونهم، وفى النهاية قالوا: (نموت ابنه لنأخذ الكرم). هذا المثل يرمز إلى اليهود، الذين قتلوا الأنبياء، وفى النهاية قتلوا الرب يسوع، وفق تعاليم المسيحية».
وتابع: «حكم المسيح فى النهاية كان أن اليهود مرفوضون، وأن مؤمنى العهد الجديد هم الأمة الجديدة، الشعب المختار، الذين آمنوا بالمسيح، هم وجميع المؤمنين».
وخلص إلى أنه «كل من يدّعى اليوم أن إسرائيل ما زالت (شعبًا مختارًا) فهو مضلل، هدفه تضليل الناس. للأسف، ملايين المسيحيين قالوا: (ما قاله إشعياء النبى لا نفهمه). لكن إشعياء أوضح أن إسرائيل لا تفهم، وأن النور سيصل إلى الأمم التى لم تكن محبوبة سابقًا، كما يقول هوشع أيضًا».
وأكد كاهن كنيسة «مار مرقس كليوباترا» فى مصر الجديدة أن الكتاب المقدس كله يوضح أن اليهود أعداء الحق وأعداء المسيح منذ زمنهم. وكم مرة بكى المسيح عليهم وقال: «يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراقمة المرسلين إليها»، مضيفًا: «كل من يمدح أورشليم أو يعمل لحسابها اليوم فهو ضد المسيح».
وأضاف: «يقول القديس بطرس فى رسالته لتسالونيك: (اليهود هم الذين قتلوا الرب، قتلوا الأنبياء واضطهدونا نحن الرسل، وهم أعداء لجميع الناس). إذن يجب أن نأخذ كلام الإنجيل لا كلام السياسة. منذ البداية، المسيحيون لم يكونوا مع اليهود، ومن قتل المسيح كانوا هم اليهود ومؤامرتهم».
وواصل: «محاولة وضع المسيحيين واليهود فى جانب واحد هى محاولة مضللة. نحن لم نحارب، بل نصلح ونحكم ونسعى للسلام. وكلام الإنجيل واضح، بعد كل ما فعل اليهود، المسيح قال: (ينزع منهم الملكوت ويعطيه لأمة جديدة)، وهذا الذى تحقق فى العهد الجديد، فلم يعودوا (شعب الله)».
وتساءل: «من هو (شعب الله) اليوم؟»، وأجاب: «القديس بطرس يقول للمؤمنين: (أنتم جنس مختار، كهنوت ملوكى، أمة مقدسة، شعب مبرر لتخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب)».
وأكمل: «الأمم كانت فى الظلام، وبلادنا لم تعرف المسيح، فالله سمح أن اليهود يرفضون الخلاص ليصل إلى العالم كله. أول من قبل المسيح فرح المصرى، وكنيستنا صارت أمًا للمسيح ومستضيفة له، وأصبحت مخلصة جدًا للإيمان المستقيم، فصارت شعبًا مختارًا».
وتابع: «أما من يعمل لحساب إسرائيل ويقول: (ما هو حقهم)، فهذا كلام من العهد القديم لا يطبق على حاضرنا. أبونا إبراهيم قال إن ولاده إذا مشوا كويس ستشمل الأرض كلها. وبعد داود وسليمان تحقق الحلم، لكن بعد ذلك دخلت الوثنية، وعبد اليهود الأصنام أكثر من أى شعب، حتى سليمان نفسه عبد الآلهة الوسانية فى آخر حياته. ومن بعدها أصبحوا أعداء لجميع الناس. أرسل الله الأنبياء ليهدوهم، لكن قليلين تابوا، ورحم الله كثيرين، وأرسل نينوى لتعلمنا أن النور ليس مقتصرًا على اليهود».
ونبه إلى أن «الإشارات تتوالى أن المسيح لن يعود ملكًا لليهود فقط، بل جاء نورًا للعالم، ومَن قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا (أولاد الله)»، محذرًا مما يُشاع عن إعادة بناء الهيكل ليأتى المسيح، لأن «هذا ضد المسيح. والهيكل الحقيقى أنتم أنتم (هيكل الله)».
واختتم بقوله: «كنيسة مار مرقس، منذ الرسل وحتى البابا تواضروس الثانى، ملتزمة بإيمان وتعليم الرسل، بعيدًا عن السياسة أو الفلسفة. رسالتنا هى الصلاة والسلام، وعمل الخير لكل الناس، وليس الحلم بمملكة أرضية».
الأنبا رافائيل: كيف يكونون شعب الله المختار بينما المسيح جاء ورفضوه ولا يزالون حتى اليوم؟
أكد الأنبا رافائيل، أسقف عام كنائس وسط القاهرة، أن سؤال «هل إسرائيل الحالية هى شعب الله المختار أم لا؟» يثير جدلًا كبيرًا لدى غير الأرثوذكس؛ فهناك من يتعاطفون مع اليهودية والصهيونية العالمية، مشيرًا إلى أن القضية ليست قضية تعاطف، بل ترتبط بما يعلنه الحق الكتابى.
وقال: «الله اختار إبراهيم، ومن إبراهيم اختار إسحاق وليس إسماعيل، ومن إسحاق اختار يعقوب وليس عيسو، ثم من بنى إسرائيل اختار سبط يهوذا ليأتى منه المسيح، وسبط لاوى للكهنوت فى العهد القديم».
وأضاف: «عندما جاء المسيح انتهى هذا الترتيب؛ فعندما حمله سمعان الشيخ وبارك الله، قال: (نور تجلى للأمم ومجد لشعبك إسرائيل)»، مؤكدًا أن هذه اللحظة تمثل اكتمال الدور وانتهاء مهمة إسرائيل.
وواصل: «المسيح أشار إلى شجرة التين بقوله (لا يأكل منك أحد ثمرًا إلى الأبد)، كما قال أيضًا (هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا)، وأضاف (لا يُترك هنا حجر على حجر إلا وينقض)، فى إشارة واضحة إلى انتهاء مرحلة وبداية أخرى، وهو ما اعتُبر إعلانًا بنهاية العهد القديم».
وأوضح أن الانتماء الروحى أصبح قائمًا على الإيمان، إذ صار المؤمنون بالمسيح هم أبناء إبراهيم بالإيمان، لا بمجرد النسب الجسدى.
واستشهد بقول يوحنا المعمدان: «لا تفتخروا قائلين لنا إبراهيم أب، لأن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم»، مشيرًا إلى أن المقصود بالحجارة هم الأمم، فى دلالة على امتداد الخلاص إلى جميع الشعوب.
ولفت إلى أن بولس الرسول قدّم شرحًا واضحًا لهذه الفكرة، مؤكدًا أن نسل إبراهيم لا يُقاس بالجسد فقط، إذ إن النسب الجسدى يشمل أيضًا إسماعيل وعيسو، بينما البنوة الحقيقية تُنسب إلى الذين يسلكون فى خطوات إيمان إبراهيم.
وذكر أن المسيح نفسه أكد هذا المعنى بقوله: «لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم»، لافتًا إلى أن الرد الإلهى على من تمسكوا بالنسب الجسدى جاء حاسمًا، إذ أوضح أنهم يطلبون قتله، وهو ما لم يفعله إبراهيم، فى تأكيد أن الانتماء الحقيقى لا يقوم على الدم، بل على الإيمان والعمل.
وأضاف أن البنوة الجسدية لإبراهيم لا قيمة لها فى غياب الإيمان الحى والسلوك الموافق له.
وقال: «قد يظن البعض أن هذا الرأى يأتى مجاملة للعرب أو المسلمين بسبب الصراع مع إسرائيل، لكن فى الإيمان لا توجد مجاملة، بل التمسك بما يعلنه الكتاب المقدس».
وأضاف: «بولس الرسول قال عنهم إنهم (أضداد لجميع الناس)، وإن (الغضب قد أدركهم إلى النهاية). وقد يرى البعض أن بولس أشار إلى عودتهم فى الأيام الأخيرة، لكن المقصود ليس عودتهم كشعب مختار، بل إيمانهم بالمسيح، أى إدراكهم أن يسوع الناصرى، الذى جاء منذ ألفى عام هو المسيح الذى كانوا ينتظرونه، فيؤمنون به، أما فكرة الخصوصية كشعب مختار فقد انتهت بمجىء المسيح».
وذكر أنهم «اختيروا ليأتى منهم المسيح، وعندما جاء رفضه كثيرون منهم، ومع ذلك آمن به عدد كبير، مثل العذراء مريم، والرسل الاثنى عشر، والسبعين رسولًا، والمئة والعشرين يوم العنصرة، والثلاثة آلاف الذين آمنوا فى ذلك اليوم، ثم الخمسة آلاف بعد ذلك. وكل هؤلاء كانوا من أصل يهودى، كما يذكر سفر الأعمال أن جمهورًا كبيرًا من الكهنة أطاعوا الإيمان»، لافتًا إلى أنه «فى البداية كانت الكنيسة تضم مؤمنين من أصل يهودى وآخرين من الأمم، ثم ذابت هذه الفوارق تمامًا، ولم يعد هناك تمييز».
وأكد أنه لا يوجد اليوم مسيحى يقول: «أنا من أصل يهودى»، لأن الجميع صاروا واحدًا فى المسيح. أما من لا يزال متمسكًا بيهوديته وينتظر المسيح، فكيف يُعد شعب الله المختار، بينما المسيح قد جاء ورفضوه، ولا يزالون يرفضونه حتى اليوم؟ وكيف يُقال عنهم إنهم شعب الله المختار، وليس لهم الآن أى تمييز أو امتياز خاص، لأن اختيارهم كان لغرض مجىء المسيح، وليس تمييزًا دائمًا لشعب على آخر.
وتابع أن فكرة أنهم أسياد العالم أو المهيمنون عليه ليست من الله بأى شكل، لأن الله ليس إلهًا عنصريًا، بل هو محب لجميع البشر.
وشدد على ضرورة الحذر من التفسيرات المرتبطة بالصهيونية العالمية أو الماسونية، التى تروّج لأفكار تثير الاضطراب وتغذى الصراعات ويتبناها البعض؛ إذ يجرى تفسير الأمور بطريقة تجعل الناس تنتظر مجىء المسيح فى أورشليم.
وأكد أن الحقيقة، حسب الإيمان المسيحى، أن المسيح قد جاء بالفعل، وأن مجيئه الثانى لن يكون على الأرض، بل «سيأتى على السحاب»، كما ورد فى الكتاب «كما يخرج البرق من المشرق ويظهر إلى المغرب». وأضاف: «لذلك لا ينبغى أن يقول أحد إن المسيح هنا أو هناك، لأنه لن يأتى فى مكان محدد على الأرض، لا فى أورشليم ولا فى غيرها، بل سيأتى فى مجده على السحاب، وتنظره كل عين». ولفت إلى أن من سيأتى على الأرض ويدّعى ذلك فهو ضد المسيح، مؤكدًا أن المؤمنين ينتظرون القيامة والحياة الأبدية، وأن المسيح سيأتى فى مجده دون أن يحتاج أحد إلى أن يخبر بمكانه، لأن المؤمنين سينجذبون إليه كما تنجذب النسور إلى الجثة.











0 تعليق