ذكرى إنسان جميل

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

غادرنا والدى فى الأول من أبريل ١٩٨٧، وكلما حلت ذكراه أجدنى مع شوقى إليه لا أراه إلا ضاحكًا، قويًا، متفائلًا طوال الوقت، سريع البديهة، وفى هذا السياق ترد قصة ما حكاه هيكل فى حلقاته بقناة الجزيرة حين قال إن عبدالناصر اتصل به ذات مساء وسأله سؤالًا واحدًا: مَن هو عبدالرحمن الخميسى؟، فقال له هيكل: إنه شاعر وفنان. 

أصل القصة أن عبدالناصر خلال سنوات التحضير للثورة كان يتردد على الصحف لاجتذاب الكتاب إلى فكرة الثورة، وحدث أنه ذهب إلى جريدة المصرى وفتح باب إحدى الحجرات، وكانت حجرة الخميسى، فسأله ناصر وهو بالملابس المدنية: أستاذ خميسى هل وصل رئيس التحرير؟، فرفع الخميسى رأسه ونهره قائلًا: هو أنا استعلامات؟ إيه ده؟ روح اسأل فى الاستعلامات يا أخى. 

ولم تنقضِ شهور حتى قامت الثورة وعرف الجميع أن ناصر زعيمها، وفى لقاء ثانٍ مع كتاب الجريدة جلس الجميع وتحدث ناصر إليهم وهو يختلس النظر من وقت لآخر إلى والدى، ثم قال له مبتسمًا: أظن إحنا اتقابلنا قبل كده يا أستاذ خميسى؟ فصاح والدى: وأنا أعرف منين إنك كنت ح تبقى رئيس الجمهورية؟ ابتسم ناصر وقهقه الجميع. 

وكانت له عبارة شهيرة يرددها هى: «لم أعزف ألحانى لكننى دافعت عن قيثارتى»، واستشهد بها أحمد بهاء الدين فى الأهرام وهو ينعى الخميسى، وفى يوم ما سألته عما يعنى بتلك العبارة؟ فقال لى: أنا كان عندى نغمة عاوز أقولها.. وكلما أمسكت بقيثارتى هجموا علىّ ليحطموها، فأصبح عملى الدفاع عن القيثارة وليس عزف ألحانى.

وقد تعرض فى أوائل الثورة للاعتقال لأنه ممن نادوا بعودة الجيش إلى الثكنات، ثم فصل بعد ذلك من جريدة الجمهورية، ثم ضيقوا عليه حين أنشأ فرقة مسرح، وأذكر أنه عرج علىّ وأنا تلميذ فى المدرسة الإعدادية وقال لى: تعال شوف إخواتك. كنا نعلم أنه تزوج من سيدة أخرى هى أم إخوتى، ولكننا لم نرها. ذهبت معه وفوجئت بأن شقته فى عمارة تطل على ميدان الأوبرا، وحين وقفت معه فى البلكونة أشار إلى مقاعد الحديقة التى تطوق التمثال وقال لى: على هذه المقاعد كنت أنام ليالى طويلة وآكل ترمس فقط عندما جئت من قريتى إلى القاهرة.

ورغم كل مشاق حياته كان ظريفًا للغاية داخل بيته وفى خارجه. أذكر كانت لدينا خادمة تسرق نصف التموين، واشتكت أمى منها، فاستدعاها وربت على كتفها وقال لها: لما تشوفى كيلو سكر فى المطبخ خدى نصه وسيبى لى نصه، أو باكو شاى، يعنى دخلينى معاك النص بالنص! ولطمت أمى قائلة: أنت كده حليت الموضوع يا عبدالرحمن؟! 

ولم يكن يكف عن مشاكسة أصدقائه، وأذكر أنه طلب من إحدى قريباتنا أن تتصل فى حضوره بيوسف إدريس وأن تقول له إنها معجبة به، لكنها فى القاهرة ليوم واحد تعود بعده إلى طنطا بلدها. وعلى الفور اتفق معها يوسف إدريس أن يلتقيا فى السابعة مساء فى كافيتريا سميراميس. 

وفى السابعة كنت مع والدى نراقب يوسف إدريس وهو ينتظر الفتاة بشوق، وبعد قليل جذبنى والدى من يدى واتجهنا إلى الكاتب العظيم، وسلم عليه والدى وسأله عما يفعل هنا؟ فأجاب إدريس بكل جدية: أنتظر مستعربة من ألمانيا الشرقية تترجم قصصى. فقهقه والدى وقال له: مستعربة طنطاوية واسمها سهام.. صح؟ وتراجع إدريس بكتفيه مذهولًا ثم قهقه طويلًا وهو يقول له: مش معقول يا عبدالرحمن! 

وما زلت أحتفظ بخطاب له أرسله إلى أمى من المعتقل كتب لها فيه: «لا تجعلى الأولاد يشعرون بالحزن على فراقى.. الحزن عدو القلب». وكان ضجرًا، لا يحتمل وضعًا أو حالة واحدة حتى إنه عبر ذات مرة أمام مرآة فى ردهة البيت فتوقف أمامها وقرص خده بيده صائحًا: يارب.. نفس الوش من خمسين سنة.. غيرهولى بقى.. أنا زهقت. وليس أجمل من أن تأتى المحبة فى باقة من الضحكات، والتفاؤل، والقوة، وأن يصفو الحزن فى عطر الفرح، وأن نظل نعانق القوة فى قاع الضعف، وحينئذ فأنت لا تشتاق فقط إلى الإنسان بل تفرح به.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق