محمد البشاري: المشروع القومي لبناء الفكر يعيد للدين دَوره كضمير أخلاقي في المجتمع

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 أكَّد الدكتور محمد البشاري، الأمين العالم للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، أهمية تعزيز الحوار بين الدين والثقافة والوعي المجتمعي، موضحًا تقديره لدور مصر قيادة وحكومة وشعبًا، معربًا عن اعتزازه بالتواصل مع دار الإفتاء في هذه المبادرة الفكرية المهمة، مشيرًا إلى أن العنوان المركَّب للندوة يعكس طرح قضية مشروع قومي قوي يربط بين الفكر والثقافة والوعي الديني والفضاء المجتمعي، شارحًا مفهوم الثقافة كما تعرفه منظمة اليونسكو منذ عام 1980. 

وأوضح خلال ندوة عقدها جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب،  أنها تشمل تراكمات المعارف والعادات والفنون والفلسفات، وهو ما يفسر بدَوره مفهوم الحضارة باعتبارها تجمع حضارات متعددة مثل العربية والإسلامية واليونانية وغيرها، وأن هناك تدافعًا طبيعيًّا بين الثقافات المختلفة، وأن هذا التدافع قد يؤدي أحيانًا إلى عدم التكامل بين المجتمعات، مؤكدًا أن موضوع الندوة اليوم لا يقتصر على تجديد الخطاب الديني، بل على إعادة تأسيسه بما يحقق السلم المجتمعي المنشود.

وشدد د. البشاري على أن الدين لا يجب أن يكون متناقضًا مع الفلسفات والنُّظم الاجتماعية، بل يجب أن يعود إلى وظيفته الأساسية كضمير أخلاقي للمجتمع، بعيدًا عن الاختزالات في الاقتصاد أو السياسة، وتابع قائلًا: إن المشروع القومي المنشود يسعى إلى تحييد الدين عن أي توظيف فرقي أو سياسي، وإعادة بوصلة دوره في المجتمع، موضحًا أن المرجعية الدينية يجب أن تكون ضميرًا يقيس به الإنسان أعماله وأفعاله، ويضع العلاقة بين الإنسان والمجتمع والكون على أسس أخلاقية وعادلة.

 وأشار إلى عدد من أطروحاته السابقة حول فَهم إسلام الأفراد وإسلام الدولة، موضحًا أن الدين في المجال العام ليس هُوية ضد الآخر، بل ضمير يضبط المجتمع كله، سواء المتدين أو غير المتدين، الأغلبية أو الأقلية، وأكد أن ما يتعلق بحفظ الكليات والضرورات يمثل خطابًا عامًّا، بينما ما يتعلق بخصوصيات التدين يندرج تحت خطاب خاص، وأن خلط الدوائر يؤدي إلى الفراغ القيمي والفتن الاجتماعية.

وأوضح  أهمية إخراج الدين في طبيعته الإرشادية لتجنب تشويش عقلية الشباب، مستشهدًا بسلوك النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة والإمامة والفتوى والقضاء، مشيرًا إلى أن المشروع القومي والنهضة الفكرية يسعيان لصناعة إنسان عربي مسلم معتز بدينه ووطنه، ومتوافق مع الآخرين مهما اختلفت عقائدهم أو خلفياتهم الثقافية، مؤكدًا أن الربط بين الثقافة والدين يحتاج إلى وقفة واعية، وأن الدين يسعى في جوهره إلى خلق إنسان روحي يتمتع بالأخلاق والقيم النبيلة، مع انسجام كامل مع مجتمعه والمجتمعات الأخرى.

وفي ختام حديثه، تناول د. البشاري عددًا من القضايا المعاصرة المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الخطاب الديني ومسؤولية الفعل الإنساني في العصر الرقمي، مشيرًا إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي يطرح سؤال الحكم والمسؤولية، خاصة فيما يتعلق بتحديد محل التكليف ومسؤولية العمل الآلي، متسائلًا: من يتحمل الخطأ عند إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهل تقع المسؤولية على المستخدم أم المصمم أم المؤسسة، موضحًا أن المشروع القومي لبناء الفكر يمكن تلخيصه في معيارين أساسيين؛ الأول: أن الدين حين يصبح ميزانًا للأخلاق يجمع ولا يفرق، والثاني: أن الدين حين يتحول إلى راية للخصومة والاستقطاب يؤدي إلى التفريق والانقسام. وشدد على أن حراسة الدين اليوم تكون بإعادته إلى مقام الضمير لا إلى مقام الاستقطاب والصراع.

وتساءل د. البشاري عن الآليات المؤسسية التي تضمن أن يظل الخطاب الديني خادمًا للسِّلْم المجتمعي لا وقودًا للصراعات، مشيرًا إلى ضرورة تطوير خطاب ديني جامع. كما طرح تساؤلًا حول كيفية بناء محتوى ديني معاصر قادر على منافسة خطاب الإثارة المنتشر على المنصات الرقمية، دون التفريط في العمق المعرفي أو القيم الأخلاقية.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق