وبحسب الصحيفة، "إن اعتبار الإطاحة الدرامية بالنظام الفنزويلي مجرد غارة على الموارد يُعدّ فهماً خاطئاً للتحول الجذري في الاستراتيجية الأميركية الكبرى. فلم تقم واشنطن بإسقاط الدولة الفنزويلية لحاجتها إلى المزيد من النفط، بل فعلت ذلك استعداداً لحرب محتملة مع الصين. في الواقع، تنهار نظرية "الإمبريالية النفطية" أمام البيانات الأساسية. لم تعد الولايات المتحدة عملاقًا متعطشًا للطاقة كما كانت في أواخر القرن العشرين، فتكساس وحدها تُنتج الآن ما يقارب 43% من إنتاج النفط الخام الأميركي، وتستحوذ على 31% من طاقتها التكريرية. لذا، فإن الضرورة الاستراتيجية ليست الاستيلاء على النفط الخام الفنزويلي، الذي يتميز بثقله وصعوبة تكريره، بل حماية البنية التحتية الأميركية".
وتابعت الصحيفة، "تقع مجمعات التكرير والتصدير الضخمة على ساحل خليج المكسيك الأميركي، والتي تُعدّ شريان الحياة للاقتصاد الغربي، على مقربة خطيرة من الساحل الفنزويلي. وفي عصر الصواريخ الفرط الصوتية والذخائر المتسكعة، لم يعد الكاريبي بحيرة سياحية هادئة، بل أصبح جبهة جنوبية هشة. الحسابات في البنتاغون بسيطة وعقلانية تمامًا: المسافة من شمال فنزويلا إلى هيوستن تبلغ حوالي 3300 كيلومتر، أما إلى قناة بنما، فهي بالكاد تبلغ 1100 كيلومتر. هنا يبرز التنافس بين القوى العظمى وبكين في الحسابات. فعلى مدى العقدين الماضيين، وبينما كانت واشنطن غارقة في مستنقع الشرق الأوسط، كانت جمهورية الصين الشعبية تكسب بهدوء ولاء دول نصف الكرة الغربي.
الأرقام مذهلة، ففي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) 551 مليار دولار. وبشكل أدق، استحوذت فنزويلا على نحو 44% من إجمالي تمويل التنمية الصيني في المنطقة منذ عام 2005".
وأضافت الصحيفة، "لم يكن مادورو مجرد منبوذ اشتراكي، بل كان مالكًا استراتيجيًا، فقد منح جيش التحرير الشعبي الصيني موطئ قدم في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، ولم يكن السيناريو الكابوسي للمخططين الأميركيين فنزويلا اشتراكية، بل فنزويلا مُسلحة، قاعدة كاريبية تضم قدرات استخباراتية صينية، وقاذفات بعيدة المدى، أو بطاريات صواريخ. إذا كانت الاشتراكية هي التهديد، فلماذا استهداف فنزويلا دون كوبا؟ يرتبط هذا القلق ارتباطًا وثيقًا بمستقبل تايوان، ويدرك المخططون الحربيون الأميركيون أن أي نزاع في بحر الصين الجنوبي لن يبقى محصورًا في نطاق ضيق. فإذا حاولت البحرية الأميركية فرض حصار على مضيق ملقا أو الدفاع عن تايبيه، فسيكون رد بكين هو تهديد الأراضي الأميركية أو إمدادها اللوجستي لإجبارها على قبول تسوية تفاوضية. بإمكان فنزويلا المعادية، المسلحة بأنظمة منع الوصول/حرمان الحركة من المنطقة الصينية (A2/AD)، أن تحتجز ساحل الخليج رهينة، مما يحد فعلياً من القوة الأميركية قبل أن تغادر مجموعة حاملات الطائرات الميناء".
وبحسب الصحيفة، "علاوة على ذلك، تعتمد الخدمات اللوجستية لحرب المحيط الهادئ اعتمادًا كبيرًا على قناة بنما. لطالما أثارت التوسعات التجارية للشركات الصينية في بنما قلق واشنطن، ومع امتلاك كيانات مختلفة مقرها هونغ كونغ مصالح في موانئ على طرفي القناة (بالبوا وكريستوبال)، فإن خطر الإغلاق خلال الأزمات وارد. إذا أُغلقت القناة، سيُضطر الأسطول الأميركي للإبحار عبر مضيق ماجلان، وبإزاحة مادورو، تُنهي الولايات المتحدة فعلياً أي محاولة صينية محتملة لفرض قبضتها على منطقة الكاريبي. تُقدّم العملية ظاهرياً على أنها إجراءٌ لإنفاذ القانون ضد "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، لكنها تخدم غرضين. فقد وفّرت لائحة الاتهام التي تُفصّل 25 عاماً من تهريب الكوكايين برعاية الدولة غطاءً قانونياً، إلا أن التوقيت يكشف عن النوايا الجيوسياسية. هذا تطبيقٌ جديدٌ وحازمٌ لمبدأ مونرو، يُشير إلى تراجعٍ عن دور "الشرطي العالمي" وتحوّلٍ نحو "الحصن الإقليمي". وأشارت إدارة ترامب إلى أنها قد تتغاضى عن الفوضى في دونباس أو بلاد الشام، ومع ذلك، لن تتسامح مع قيام منافس ند لها بإنشاء قاعدة عمليات متقدمة في الأميركيتين".
وتابعت الصحيفة، "يُمثل سقوط مادورو أيضاً صفعة قوية للكرملين، وإن كان أقل ضرراً استراتيجياً على موسكو منه على بكين. فبينما تفقد روسيا منصةً لعرض قوتها وحليفاً خطابياً كان يُضفي شرعية على استبداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن الصين هي التي تتكبد الخسارة المادية، فقد تبددت جهود بكين الدؤوبة والمكلفة في بناء النفوذ بين ليلة وضحاها. في نهاية المطاف، كان القبض على مادورو خطوة تمهيدية، بمثابة تصفية حسابات تمهيداً لمنافسة طويلة الأمد بين القوى العظمى، وقد قررت الولايات المتحدة أنه إذا كان لا بد لها من مواجهة التنين في المحيط الهادئ، فلن تسمح له بأن يضغط عليها في منطقة الكاريبي".











0 تعليق