بعد 10 سنوات على رحيله، لا تزال سينما محمد خان حاضرة باعتبارها واحدة من التجارب الفنية التي تعاملت مع الحياة اليومية للمصريين باعتبارها مادة أساسية للسينما، لا مجرد خلفية للأحداث، ومع احتفاء مهرجان الجونة السينمائي بالمخرج الراحل، يعود الحديث عن سينما محمد خان باعتبارها عالمًا سينمائيًا انشغل بالشارع والبيت والعمل والعلاقات الإنسانية وبالشخصيات التي تبدو عادية في ظاهرها لكنها تحمل داخلها حكايات وصراعات أعمق مما تبدو.
الشارع بطل في أفلام محمد خان
بدأ محمد خان مشواره في الإخراج السينمائي بفيلم ضربة شمس عام 1980، ومنذ أعماله الأولى ظهر اهتمامه بالشخصية المصرية والأماكن التي تعيش وتتحرك فيها، فأبرز ما يميز سينما محمد خان أن القاهرة ومدنها وشوارعها لم تكن مجرد مواقع للتصوير، وإنما كانت جزء من الحكاية نفسها، ففي فيلم الحريف، على سبيل المثال، ارتبطت شخصية فارس، التي قدمها عادل إمام، بحياة الشارع والعمل والهروب من ضغوط الحياة، بينما حمل الفيلم في تفاصيله صورة لمدينة تتحرك بشخصياتها وزحامها وأزماتها التي تعيشها بصورة يومية.

وفي فيلم خرج ولم يعد، انتقل خان إلى علاقة مختلفة بين الإنسان والمكان، من خلال عطية الذي يترك القاهرة ويتجه إلى الريف، لتصبح المقارنة بين المدينة والقرية جزءا أساسيا من الحكاية، وقد تناول الفيلم هذا الانتقال من خلال شخصية موظف حكومي يبحث عن حياة مختلفة، قبل أن يجد نفسه منجذبا إلى الريف وإيقاعه الهادئ.

هذا الاهتمام بالمكان استمر في أفلام أخرى، مثل بنات وسط البلد وفي شقة مصر الجديدة، حيث ظلت المدينة ومناطقها البارزة حاضرة في حياة الشخصيات وعلاقاتها وأحلامها.
المرأة في عيون محمد خان
المرأة كانت أيضا من أكثر العناصر المرتبطة بسينما محمد خان، فلم تكن مجرد شخصية ثانوية “تخدم” على البطل، بل كانت صاحبة حكاية وصراع مستقل، ففي فيلم زوجة رجل مهم على سبيل المثال كانت منى، التي جسدتها ميرفت أمين، شخصية رئيسية تمامًا كهشام، الذي جسده أحمد زكي، والتي كانت تعيش حكايتها الخاصة التي أبرزها الفيلم بعدما اكتشفت أن الرجل الذي اعتقدت أنه نموذجا للنجاح يتحول إلى مصدر مباشر لمعاناتها.

كما أن هذه العلاقة الزوجية المضطربة كانت تعكس حقائق أعمق عن التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهده المجتمع المصري، وفي فيلم أحلام هند وكاميليا أصبحت امرأتان من الطبقات البسيطة هن مركز الحكاية، هند وكاميليا لا تنتميان إلى عالم الأبطال التقليديين، وإنما تعملان في المنازل وتحاولان التعامل مع قسوة الحياة والعمل والعلاقات، ومن خلالهما قدم خان صورة مختلفة للمرأة، تقوم على تفاصيل حياتها اليومية وطموحاتها ومخاوفها.

وتواصل هذا الأمر أيضًا في أفلام مثل بنات وسط البلد الذي دارت أحداثه حول فتاتين جسدتهما منة شلبي وهند صبري تعكس حياتهما تفاصيل الحياة اليومية والأحلام الخاصة بجيل كامل، ثم في شقة مصر الجديدة، الذي كان من بطولة غادة عادل، وصولا إلى فيلم فتاة المصنع مع ياسمين رئيس، وقبل زحمة الصيف مع هنا شيحة، ليواصل خان تقديم حكايات تنطلق من شخصيات نسائية تأتي تجاربهن في صدارة الأحداث.

أبطال عاديون وحكايات غير عادية
لم يكن محمد خان يبحث دائما عن الشخصية الاستثنائية التي تقود حكاية كبيرة، وإنما كان قادرا على استخراج الدراما من شخصيات تبدو للوهلة الأولى عادية، موظف، لاعب كرة شراب، امرأة تعمل خادمة، زوجة لضابط، شاب يحاول الهروب من حياة لا تشبهه، أو فتاة تعمل في مصنع، شخصيات تنتمي إلى الحياة اليومية أكثر مما تنتمي إلى عالم البطولة السينمائية التقليدية، فلم يكن يبحث عن “فيديت” بمواصفات خاصة تدخل في علاقة حب تقليدية مع بطل وسيم، كانت رؤيته في اختياراته مختلفة تمامًا.
وهنا تكمن إحدى سمات أفلامه، فالصراع لا يحتاج بالضرورة إلى جريمة أو مطاردة أو حدث ضخم حتى يصبح صالحا لكي يظهر على شاشة السينما، أحيانا يكون الصراع داخل البيت، أو في مكان العمل، أو بين الإنسان والمدينة التي يعيش فيها.

سينما محمد خان تبحث عن الإنسان
ورغم تنوع الموضوعات التي تناولها محمد خان في أعماله، بدا أنه كان متمسكا بفكرة أساسية تقوم على الاقتراب من الإنسان وتفاصيل حياته، ففي فيلم أيام السادات، على سبيل المثال انتقل إلى السيرة الذاتية في عالم السياسة، مقدما جوانب مختلفة من حياة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، قبل أن يعود إلى عالم الشخصيات العادية وحياتهم اليومية في بنات وسط البلد وفي شقة مصر الجديدة وفتاة المصنع وقبل زحمة الصيف، آخر أفلامه، الذي واصل فيهم اهتمامه بالإنسان وحكاياته وتفاصيل حياته.

وتكشف هذه الأعمال عن مخرج لم يكن يكرر الحكاية نفسها، بقدر ما كان يعود في كل مرة إلى الإنسان المصري من زاوية جديدة، وكان ينظر إلى شخصياته بعين إنسانية حيث كان يمنحها مساحة لتخطئ وتتناقض وتحلم وتفشل، من دون أن يحولها إلى نماذج مثالية بل بشر يخطئون ويصيبون.
ولأنه كان يسجل في أفلامه تفاصيل من المجتمع المصري، فإن أفلامه تجاوزت لحظة إنتاجها، فالشارع تغير، والملابس تغيرت، لكن الشخصيات التي تبحث عن الحب أو الأمان أو فرصة أفضل للحياة تجعل من يراها يشعر بأنها قريبة منه حتى وإن اختلف الزمن.

- تفسير حلم الخناقة في المنام وعلاقته بالتخلص من الطاقة السلبية
- كوت ديفوار تخطف فوزا قاتلا أمام الصومال في تصفيات أمم أفريقيا
- وصفات طبيعية لترطيب البشرة وحمايتها من الجفاف
- أوبن إيه آي تطلق GPT-6.1 Sol، قفزة جديدة في البرمجة والذكاء الاصطناعي
- تصفيات أمم افريقيا، الكاميرون يخطف نقطة ثمينة بتعادل إيجابي مع الكونغو بملعبها














0 تعليق