انقضاء العصر الذهبي للطلب.. لماذا لن يضع نهاية لشركات النفط الكبرى؟

لا شك أن التحولات الحاصلة في قطاع الطاقة نحو أنماط غير تقليدية، وضعت ضغوطا كثيفة على منتجي النفط حول العالم، ودفعتهم هم أيضا إلى تعديل خططهم مع تزايد الحديث عن "نهاية عصر النفط".

 

ولعل أحدث مثال على هذه الضغوط كانت حزمة القرارات التي أقرها الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن" بوقف تأجير أو إصدار التصاريح لأعمال النفط والغاز في أجزاء كبيرة من الأراضي والمياه الفيدرالية والتعهد بالحفاظ على 30% منها، مع مراجعة عقود الإيجار الحالية.

 

 

هذه التوجهات ليست وليدة الساعة بالطبع ولا تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما هو توجه عالمي واسع النطاق، ولعل أبرز نتائج هذا التحول في السياسات، ما تجلى في أداء أسهم شركات الطاقة الرئيسية مؤخرا.

 

في أمريكا، هبطت قيمة "إكسون موبيل" التي كانت يوما أكبر شركة مدرجة في العالم، إلى 144 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2020 من 300 مليار دولار، وتم حذف سهم الشركة من مؤشر "داو جونز". تعافت القيمة حاليا إلى ما يزيد قليلا على 200 مليار دولار.

 

في المقابل، فإن قيمة شركة "تسلا" للسيارات الكهربائية قفزت إلى فوق 800 مليار دولار، بعد زيادة سهمها بأكثر من 700% على مدار العام الماضي، ورغم التشكيك في أساسيات الشركة إلا أنها تظل نموذجا على التحول في توجهات المستثمرين وتقييمهم للمستقبل.

 

في أكتوبر الماضي، كشفت تقارير عن هبوط القيمة السوقية للشركات الخمس الكبرى للنفط في أمريكا بنحو 45% إلى 367 مليار دولار من 674 مليار دولار قبل عام، مشيرا إلى أن ضغوط مثل الجائحة والحرب التجارية ساعدت في بناء هذا الاتجاه الهبوطي.

 

نهاية العصر الذهبي للطلب

 

- أدى انخفاض الطلب الناجم عن الجائحة إلى انخفاض سعر خام برنت إلى 21 دولارًا للبرميل في عام 2020، قبل أن يتعافى لاحقا، ومن المتوقع أن يتجاوز متوسط 50 دولارا في عام 2021، لكنه لن يرتفع كثيرًا، ما يؤكد أهمية التحولات الهيكلية للاقتصادات النفطية.

 

- في غضون ذلك، من المتوقع بالفعل أن تواصل دول مثل المملكة البحث عن الإيرادات غير النفطية، وستمضي السعودية قدماً في مشاريعها العملاقة، مثل "نيوم"، المدينة عالية التقنية البالغة تكلفتها 500 مليار دولار في الصحراء الشمالية الغربية، كما ستعمل على توفير المزيد من الوظائف لمواطنيها.

 

- لكن على جانب آخر، قد يضطر منتجون آخرون للاتجاه نحو أسواق السندات لسد العجز المرتفع، وهو ما يشكل ضغوطا عليهم، فيما سيعاني منتجون آخرون من صعوبة أصلا في الاقتراض بسبب التصنيف الائتماني الضعيف.

 

 

- خارج الخليج تبدو الصورة أكثر قتامة، حيث يتوقع أن يخفض العراق الإنفاق لتغطية الرواتب المتضخمة، أما الاحتياطيات الأجنبية للجزائر، التي بلغت 200 مليار دولار في عام 2014، ستنخفض إلى أقل من 40 مليار دولار.

 

- سيظل الطلب على النفط منخفضًا، وعلى جانب العرض، فإن أعضاء "أوبك +" الذين التزموا بسقف صارم للإنتاج في العام الماضي، قد يرفعون إنتاجهم، ومن المتوقع أيضا أن تسمح سياسات جو بايدن الجديدة بتدفق المزيد من النفط الإيراني إلى السوق.

 

المنتجون باقون

 

- نهاية "نمو الطلب النفطي" لا تعني بالضرورة نهاية المنتجين، والتوقعات ليست حتمية (على الأٌقل بكل تفاصيلها)، فعلى سبيل المثال، تجاوزت أسعار النفط حاجز 60 دولارا للبرميل أمس، مسجلة أعلى مستوى لها في أكثر من عام، الأمر الذي يساعد على استقرار الميزانيات.

 

- يمكن التنبؤ بالمستقبل عبر النظر إلى الماضي، وتحديدا في صناعة خام الحديد، التي تباطأ نمو الطلب فيها من 6.2% سنويا في العقد المنتهي عام 2012، إلى 1.1% في السنوات الخمس اللاحقة، لكن بدلا من الاستسلام انتقل التركيز من الطلب إلى العرض.

 

- بعبارة أخرى، فإن نهاية نمو الطلب ليست كلها سيئة، ويجب أن تكون الآليات المعدة والاحتياطيات المطورة خلال ذروة السوق قادرة على الاستمرار في العمل، لكن دون إضافة المزيد، مما يقلل من ميزانيات الإنفاق الرأسمالي.

 

- طالما أن المنتجين قادرين على تقييد العرض، فينبغي أن تحوم الأسعار حول المستويات المربحة، وبمجرد التعامل مع أعباء الديون التي تحملوها في أوقات الازدهار، ستصبح الأعمال التجارية أكثر عقلانية مما كانت عليه.

 

 

- في سيناريو تقليص الإنتاج بدلا من زيادة الإمدادات، يمكن للمنتجين أمثال السعودية تحقيق عائدات نفطية أفضل، ولعل هذا أيضا أحد التفسيرات لأن "إكسون موبيل"، وهي أهم قادة الطلب، يبدو أنها تستسلم للذروة، وفقا لخطط الإنفاق الخاصة بها.

 

- أظهرت شركات الحديد توافقا مثيرًا للإعجاب في رفض زيادة الإنفاق الرأسمالي إلى المستويات السابقة رغم تسجيلها أرباحا قوية مؤخرا، ما ساعدها في الحفاظ على مستوى العرض ورفع الأسعار (قفزت إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات مع زيادة مفاجئة في الطلب العام الماضي).

 

- إذا أرادت شركات النفط الكبرى تحقيق أقصى استفادة من الوضع الراهن، فإن الخطوة الأولى هي قبول حقيقة أن عصر النفط يقترب من نهايته، كما سيتعين على أكبر اللاعبين العمل بجدية أكبر من أي وقت مضى لفرض قيود مماثلة لتلك التي فرضها قطاع الحديد.

 

ميلاد جديد

 

- بعيدا عن قدرة الصناعة على البقاء حية وقوية لفترة طويلة من خلال ضبط المعروض، فإن مثل هذه الظروف عادة ما تقود إلى موجة من الاندماجات بين الشركات، وهو سيناريو آخر منطقي بسبب خسائر الشركات من شأنه مساعدة القطاع في المضي قدما والاستقرار على المدى البعيد.

 

 

- من وجهة نظر مصرفية، فإن الاندماج بين الشركات النفطية الأمريكية (بما في ذلك الكبرى) سيكون منطقيا للغاية، لتمكينها من المنافسة مع الموردين في الشرق الأوسط وروسيا الذين ينتجون نفطا منخفض التكلفة.

 

- كما أن هذه الصفقات ستحرر المزيد من رأس المال للإنفاق على التقنيات منخفضة الانبعاث الكربون التي يطالب بها المستثمرون، حيث تهدف شركات النفط الكبرى إلى أن تكون جزءا من مستقبل الطاقة حتى مع التحول بعيدا عن منتجها الأساسي.

 

المصادر: أرقام- بلومبيرغ- الإيكونوميست- فايننشال تايمز

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مرض الزهايمر يصيب النساء والرجال بطرق مختلفة