قبل أن يصبح الراديو ضيفًا دائمًا فى البيوت المصرية، وقبل أن ينتظر الناس صوت المذيع لمعرفة أخبار البلاد والعالم، كانت للأخبار رحلة طويلة تبدأ من الشوارع والأسواق، وتمر بالمقاهى والجوامع، وتحملها الرسائل القادمة مع التجار والمسافرين، حتى ظهرت الصحف المطبوعة والتلغراف، فغيرت الطريقة التى يعرف بها المصريون ما يجرى حولهم،فكيف كان الإنسان المصرى يعرف أخبار مدينته والبلاد البعيدة؟ ومن كان يخبره بقرارات الحكام والحروب والأحداث الكبرى؟ وكيف انتقل الخبر من أفواه الناس إلى صفحات الجرائد، قبل أن يصل إليهم عبر الأثير؟
تكشف المصادر التاريخية عن وسائل متعددة عرفها المصريون لنقل الأخبار، بداية من وظيفة المنادى التى عرفتها مصر القديمة، مرورًا بالمقاهى التى أصبحت أماكن لتبادل المعلومات، وصولًا إلى صدور "الوقائع المصرية" عام 1828، وظهور الصحف الأهلية والتلغراف خلال القرن التاسع عشر، ثم انطلاق الإذاعات الأهلية عام 1925، قبل بدء البث الرسمى للإذاعة المصرية فى 31 مايو 1934.
المنادى.. أول صوت للأخبار فى الشوارع
كان المنادى من أقدم الوسائل التى استخدمها المصريون لإبلاغ الناس بالأخبار والأوامر العامة، إذ كان يتولى الإعلان بصوت مرتفع عن التعليمات والقرارات التى يراد وصولها إلى السكان، ويجوب الشوارع والأسواق لجذب انتباه المارة وأصحاب الحوانيت.
وتشير دراسة تاريخية تناولتها بوابة الأهرام إلى أن وظيفة المنادى عُرفت فى مصر القديمة، واستمرت خلال عصور لاحقة، وتنوعت مهامها بين نقل الأوامر الرسمية والإعلان عن المعلومات المرتبطة بالحياة اليومية. وهكذا كان صوت الإنسان نفسه وسيلة لنقل الخبر، قبل ظهور الصحف ووسائل الاتصال الحديثة.
المقاهى والأسواق.. أين كانت تتجمع الأخبار؟
كانت الأسواق من أهم الأماكن التى تتداول فيها الأخبار، بحكم اجتماع التجار والمشترين والمسافرين، فإلى جانب أسعار السلع وأحوال التجارة، كان القادمون من المدن البعيدة يحملون معهم أخبار الأماكن التى مروا بها.
ومع انتشار المقاهى، أصبح لها دور مهم فى الحياة الاجتماعية والثقافية. وتذكر بوابة محافظة القاهرة، نقلًا عن على باشا مبارك، أن العاصمة ضمت نحو 1027 مقهى عام 1880، من بينها مقاهٍ ارتبطت بأصحاب الحرف وأخرى كانت ملتقى لأبناء مناطق معينة، مثل المقاهى النوبية التى تبادل روادها أخبار أسرهم وأقاربهم.
ومع ظهور الصحف، أصبحت المقاهى مكانًا لقراءتها ومناقشة أخبارها، فكان الخبر ينتقل من صفحات الجريدة إلى أحاديث الجالسين، ومنهم إلى البيوت وأماكن العمل.
من الجامع إلى الرسائل.. كيف وصلت أخبار المدن البعيدة؟
أتاحت الجوامع، بحكم اجتماع الناس فيها، فرصة لإبلاغ الحاضرين بالتوجيهات والأمور العامة، بينما ظلت الرسائل والتجار والمسافرون من وسائل انتقال المعلومات بين المدن والقرى.
وكان وصول خبر من مدينة بعيدة يتطلب انتقال شخص أو رسالة تحمل مضمونه، ولذلك اختلفت سرعة انتشار الأخبار باختلاف المسافات ووسائل المواصلات المتاحة. وأصبح تطوير طرق الاتصال لاحقًا عاملًا أساسيًا فى تسريع انتقال المعلومات بين المناطق.
الوقائع المصرية.. عندما أصبح للخبر مكان على الورق
شهدت مصر تحولًا مهمًا مع ظهور الصحافة المطبوعة، بعدما أصدرت الحملة الفرنسية صحفًا باللغة الفرنسية عام 1798، قبل أن يأمر محمد على باشا بإصدار «الوقائع المصرية».
وفى 3 ديسمبر 1828، صدر العدد الأول من الجريدة فى أربع صفحات باللغتين العربية والتركية العثمانية، واهتم بنشر أخبار الحكومة وأوامرها، إلى جانب معلومات تتعلق بالشؤون الداخلية والخارجية.
وكان توزيعها فى البداية يرتبط بموظفى الدولة وضباط الجيش وطلاب البعثات، ثم تطورت موضوعاتها خلال العقود التالية، لتصبح الصحيفة وسيلة لتسجيل الأخبار وإتاحتها للقراء.
الأهرام.. كيف عرف المصريون أخبار العالم؟
شهد النصف الثانى من القرن التاسع عشر انتشار الصحف الأهلية، وفى 5 أغسطس 1876، صدر العدد الأول من جريدة «الأهرام» فى الإسكندرية، على يد الشقيقين سليم وبشارة تقلا.
وصدرت الجريدة أسبوعية فى أربع صفحات، واهتمت بالأخبار المحلية والتجارية والعلمية، إلى جانب الأخبار الواردة من الخارج، قبل أن تتحول إلى صحيفة يومية فى 3 يناير 1881.
ولم تكن معرفة أخبار الجرائد مقصورة على من يستطيعون قراءتها، فقد شهدت المقاهى وأماكن العمل قراءات جماعية للصحف، يستمع إليها آخرون ويتناقلون ما ورد فيها، لتصبح الكلمة المطبوعة جزءًا من الحديث اليومى بين الناس.
التلغراف.. عندما سبق الخبر المسافر
فى عام 1854، افتُتح أول خط تلغراف يربط القاهرة بالإسكندرية، وفقًا للتاريخ الرسمى للشركة المصرية للاتصالات، ليتيح انتقال الرسائل بين المدينتين باستخدام الإشارات الكهربائية.
ومع تطور خدمات الاتصال، أصبحت المؤسسات الحكومية والتجارية والصحفية قادرة على تبادل المعلومات بسرعة أكبر، واستفادت الجرائد من الأخبار البرقية القادمة من المدن البعيدة.
ويكشف العدد الأول من «الأهرام» عن حضور هذه الوسيلة فى الصحافة المصرية، إذ تضمن أخبارًا برقية وردت إلى الإسكندرية، فى مرحلة أصبح فيها وصول الخبر إلى الصحيفة أسرع من انتقاله بالوسائل التقليدية.
هنا القاهرة .. عندما وصل الخبر إلى البيوت
بدأت مصر تعرف الإذاعات الأهلية عام 1925، وكانت محطات يملكها أفراد وتعتمد فى تمويلها على الإعلانات، ومن بينها إذاعة مصر الجديدة وراديو فؤاد وراديو فاروق، وقدمت برامج متنوعة شملت الأخبار والأغانى والمواد الترفيهية.
وفى 31 مايو 1934، انطلق البث الرسمى للإذاعة المصرية، بصوت المذيع أحمد سالم وعبارته الشهيرة «هنا القاهرة»، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الإعلام المصرى.
ومع انتشار أجهزة الاستقبال، أصبح المصريون يستمعون إلى الأخبار داخل منازلهم، بعد قرون كانت فيها المعلومات تنتقل عبر المنادى والتاجر والمسافر والمقهى والجريدة، لتظل معرفة ما يجرى خارج البيت والمدينة حاجة أساسية صاحبت المصريين عبر العصور، بينما تغيرت الوسيلة التى تحمل إليهم الخبر.











0 تعليق