ذكرى رحيل فرانثيسكو دي كيفيدو.. الساخر الذي أودعه قلمه فى الزنازين

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مثل هذه الأيام من سبتمبر من عام 1645، توقفت واحدة من أشرس وأعمق الأقلام وأكثرها سخرية في تاريخ الأدب الإسباني، قلم العبقري فرانثيسكو دي كيفيدو، أيقونة "العصر الذهبي" لإسبانيا، الذي لم يكن مجرد شاعر أو روائي، بل كان مشروعاً مشاغباً ناطقاً بالتمرد، ومات "مكسور الجناح" في زنزانة مظلمة، تاركاً خلفه إرثاً أدبيًا كبيرًا أثبت أن الكلمة قد تكون أثقل احيانًا على السلطة من السيوف.

دبلوماسي في القصور.. صعلوك في جبهة السخرية

ولد كيفيدو عام 1580 في العاصمة مدريد لأسرة نبيلة قريبة من بلاط القصر الملكي، وعلى الرغم من علو مكانته ثقافياً ودراسته للاهوت والفلسفة واللغات الكلاسيكية، إضافة لعمله الدبلوماسي الحساس مستشاراً لدوق أوسونا في إيطاليا، لكن روحه تملّكتها نزعة ساخرة وتهكمية نحو الواقع والنفاق الاجتماعي والسياسي.
أبدع كيفيدو في أعماله الساخرة مثل روايته الشهيرة "الحياة الساخرة" ، وعبر من خلال مئات القصائد والمقالات عن سخرية لا تقبل المداهنة، جعلت منه شخصية مرهوبة ومحبوبة في آن واحد.

حرب الأقلام مع لويس دي جونجرا

واحدة من أكثر محطات حياته إثارة للفضول هي خصومته التاريخية والشرسة مع الشاعر الكبير لويس دي جونجرا ، فلم تكن معركة أدبية تقليدية، بل كانت حرباً شخصية وثقافية طاحنة بين مدرستين شعريتين (الكونثيستيمو التي يمثلها كيفيدو القائمة على تلاعب الأفكار والعمق، والكولتيرانيمو التي يمثلها غونغرا القائمة على تعقيد اللفظ والصورة)، ووصل العداء بينهما إلى حد أن كيفيدو قام بشراء منزل جونجرا نفسه ليضيق الخناق عليه مالياً وقانونياً، في صراع يعكس مدى شدة الغيرة الأدبية في ذلك العصر.

زنزانة سان ماركوس.. الضريبة الباهظة للحرية

كانت الزاوية الأكثر درامية وإنسانية في حياة كيفيدو هي سنواته الأخيرة، فبسبب لسانه الساخر وكتاباته التي لم ترحم أصحاب النفوذ وتحديداً الكونت دوق أوليفاريس، تعرض للاعتقال المفاجئ في أواخر عام 1639، وأودع دير "سان ماركوس دي ليون" في ظروف قاسية للغاية ودون محاكمة واضحة.

ظل محبوساً في رطوبة الزنزانة وعزلتها حتى عام 1643 حين أُطلق سراحه بعد سقوط خصمه السياسي، لكنه خرج مهدود الصحة، عليلاً، ومنهك الجسد، ولم يعش طويلاً بعد الإفراج عنه، فلجأ إلى دير في بلدة "بيانويفا دي لوس إنفانتيس"، حتى وفته المنية في مثل هذا اليوم من عام 1645، ليرحل الكاتب الذي حارب العالم بقلمه، وهزمته قسوة الجدران في النهاية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق