كفاح نجيب محفوظ.. من معاناة النشر والوظيفة إلى صدارة الأدب العربى

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بدأ نجيب محفوظ الكتابة في وقت مبكر من حياته إلا أنه لم يلق اهتماما نقديا حتى قرب نهاية الخمسينيات حين برز الاهتمام النقدي بأعماله ويبدو أن واسطة العقد في ذلك هي رواية أولاد حارتنا التي نشرت مسلسلة في الأهرام وكذلك ذيوع اسم نجيب محفوظ كمؤلف وسيناريست حفر اسمه ببطء ليكون واحدا من المشاهير في ذلك المجال، ما أدي لشيوع الاسم وانتشاره بدءا من الأفيشات والتترات بشكل دفع الكثير من النقاد إلى إلقاء نظرة حتى على الأعمال السابقة لنجيب محفوظ ويلاحظ أن أعمال نجيب محفوظ في هذه المرحلة تأخر ظهور المقالات النقدية عنها ربما حتى الستينيات وهي فترة فورة نجيب محفوظ وتوهج اسمه.

نجيب محفوظ والمعاناة من أجل النشر

استهل نجيب محفوظ مشوار الكتابة وهو تلميذ في المرحلة الابتدائية، ونشر قصته الأولى عام1934 تحت عنوان ثمن الضعف في مجلة الرسالة، بينما نشر مجموعته القصصية الأولى همس الجنون فى عام 1938 وروايته الأولى عبث الأقدار عام 1939، بمساعدة “سلامه موسى” رئيس تحرير المجلة الجديدة فى ذلك الوقت، وكل هذه الحقائق تحيلنا إلى كفاح نجيب محفوظ الشخصى فقد استغرق أربع سنوات لنشر مجموعته الأولى وخمس سنوات منذ نشر قصته الأول ليفوز بأول رواية اسمه مكتوب على غلافها وكل ذلك بدعم من سلامة موسى الذى لولاه لربما لم يظهر نجيب محفوظ.
نجيب محفوظ تحدث من قبل في لقاء تليفزيوني عن المعاناة من أجل النشر وهو ما يعكس حقيقة مهمة وهي أنه تعرض لهذه المعاناة حتى أنه دعا زملاءه الكتاب إلى الكتابة للسينما للفوز بفرصة للظهور تتيح لهم نشر أعمالهم فيما بعد أو ليكون لديهم متنفس يتيح لهم إظهار مواهبهم في التأليف والحق أن نشر نجيب محفوظ أولى رواياته لم يكن سهلا على الإطلاق فقد نشرها عام 1939 فى عدة فصول بـ"المجلة الجديدة" والتى كان يترأس تحريرها الكاتب الكبير سلامة موسى، صاحب التأثير الكبير على محفوظ فى بداية حياته.
وأثار اسم الرواية في ذلك الوقت الكثير من الجدل بين النقاد حيث قال بعضهم وهل الأقدار تعبث؟، وهو ما امتد فيما بعد إلى تحويلها إلى فيلم سينمائي حيث تم حذف كلمة الأقدار لئلا يكون لأحد حجة على محفوظ في اسم روايته الأولى.
لكن ما الذى جعل نجيب محفوظ يتطرق إلى الرواية التاريخية في أول أعماله، الحقيقة أن من يتابع إنتاج نجيب محفوظ يلاحظ بسهوله سعة نجيب محفوظ الواضح من بداياته نجو كتابة الرواية التاريخية، فالروايتان اللاحقتان للعمل الأول عبث الأقدار هما كفاح طيبة ورادوبيس وهما روايتان تاريخيتان أيضا.
وأغلب الظن أن نجيب محفوظ أراد من اختبار أرض الرواية التاريخية ان يضمن لنفسه مكانا بعيدا عن النقد والانتقاد فالرواية التاريخية أكثر أمانا كما قد يتيح قربها من أجواء الفراعنة أن يقدم نفسه بشكل جيد لشتى أنواع القراء والنقاد فضلا عن تغذية وعي المتشرب الفلسفة بهذه النوعية من الكتابة ليضيف إليها من فلسفاته وهو المهتم جدا بالفلسفة حتى بعيدا عن الدراسة التي أنهاها في جامعة القاهرة في كلية الآداب قسم الفلسفة، ويضم متحف نجيب محفوظ عشرات الوثائق النادرة التي توثق مسيرته التعليمية منذ المرحلة الابتدائية وحتى حصوله على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة عام 1930.

نجيب محفوظ والفقر

يحي الكاتب دائما أساطيره الكتابية من واقع عاشه وإن كان نجيب محفوظ من أسرة تنتمى إلى الطبقة المتوسطة فإنه كان شاهدا على الفقر وآثاره فجسد ذلك عبر أعماله التي ينتصب عمادها على الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة ومن ذلك رواية بداية ونهاية التى صدرت عام 1949، وهي مستوحاة من قصة حقيقية لأسرة كان يعرفها نجيب محفوظ وتتناول الرواية حياة أسرة فقيرة تتكون من الأم وأبنائها الأربعة تعيش على راتب تقاعد الأب المتوفى وتصور تعقيدات الحياة وكيف تعانى تلك الأسرة لتخرج من الفقر فلا نجاة بلا تضحيات من الأخت سنية وعلى الرغم مما تفعله فإنها تسبب الأزمات لشقيقها صاحب الوظيفة المرموقة التي بنيت على عرقها ليتحول محور السرد الرئيس إلى ذلك البطل الذى يعاني من تاريخ أسرته الذى يقف في المنتصف من مركزه الفقر، وهي أول رواية لمحفوظ تتحول إلى فيلم سينمائي عام 1960 قبل أن تتحول عام 1993 إلى فيلم مكسيكي لتترجم الرواية إلى الإنجليزية عام 1985 عن طريق قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ثم إلى الإسبانية عام 1994، وإلى الألمانية عام 2002، وإلى الفرنسية عام 1996 بعنوان يأتي الليل.

نجيب محفوظ والطبقة المتوسطة

جسد نجيب محفوظ متاعب ومشاعر وهموم الطبقة المتوسطة كثيرا في أعماله الأدبية، لكن ماذا قال عنها في حوار له مع الإعلامي الراحل مفيد فوزي؟
اعتبر نجيب محفوظ أن الطبقة المتوسطة هي التي تقود المجتمع منذ عصر محمد على باشا غير أنه أضاف أيضا في حواره مع مفيد فوزي أن هذه الطبقة المتوسطة تميزت بمجموعة من السمات منها أن كل فرد فيها يحمل على عاتقه مسئوليات ثقيلة منها أن من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة عادة ما يركز على تربية الأبناء وتعليمهم لكي يصلوا إلى أعلى المراتب والدرجات.
وتابع أديب نوبل قائلا: إن تلك المسئوليات الضخمة التي يتحملها أفراد الطبقة المتوسطة تجعله يصفها بأنها من أتعس الطوائف. وفي هذا الوصف الكثير من الشجون إذ ينبنى على خبرة عميقة فحضرة المحترم الموظف نجيب محفوظ عاني من الوظيفة ولم يكن منسجما معها كما يبدو معترفا بآثارها على الطبقة المتوسطة ورأيه هنا في أن الطبقة المتوسطة من أتعس الطوائف مبنى على هم شخصي.

حضرة المحترم

تعبر رواية حضرة المحترم عن شجون نجيب محفوظ وهمه الشخصى وما رآه في عالم الوظيفة لكنها أيضا تكرس لفكرة المعاناة عند نجيب محفوظ عبر متواليتى الكفاح  والمعاناة وهما أيقونتان بنى عليهما هيكل نجيب محفوظ الروائى بل والقصصى والسردي فإن يكن يكن كونديرا اهتم بالموسيقى والأنساق والأفكار الكبرى وساراماجو اهتم باللغويات فقد أنشأ نجيب محفوظ عالمه عبر ثنائية الكفاح والمعاناة بينما برزت الحارة كمكان وبالعودة لرواية حضرة المحترم فإنها تحكي عن نضال عثمان بيومي الذي التحق موظفا في قسم المحفوظات في إحدى إدارات الدولة، معتمدا على نفسه بعد وفاة والديه الكادحين طامحا لأن يصير مديرا عاما، فينال إجازة في الحقوق، وينهل من منابع الثقافة العامة، ويوطد علاقاته برؤسائه من خلال الاجتهاد والاستقامة ويبدأ بالادخار استعدادا للزواج لكن الزمن يتسرب من خلال أصابعه، وقد أعرض عن الزواج من اثنتين أحبهما في فترتين متباعدتين من حياته، هما سيدة و أنيسة لأنهما لا تقدمان له ما يبغي من زواجه، فإذا هو لا يجد عزاء إلا في وصاله الجسدي لقدريّة البغي، وهنا تبرز رؤية نجيب محفوظ لعالم الموظفين حيث الشقاء والفرص الضائعة.

اتهام نجيب محفوظ بالاقتباس

حدث أن كاتبا هاويا اتهم نجيب محفوظ بسرقة سيناريو وكان ذلك في عام 1958 وقد وردت القصة في مجلة "صباح الخير" ويروي نجيب محفوظ أن حسن رمزي كلفه بكتابة سيناريو لفيلم "الهاربة: من إنتاجه ويخرجه أحمد بدرخان وحاول حسن رمزي أن يجري تعديلات معينة على السيناريو فرفض بدرخان وترك العمل لحسن رمزي بعد بدء التصوير وقد اقتبس حسن رمزي عند تعديله للسيناريو بقصة من القصص التي كان يرسلها إليه الكتاب الهواة ولم يعلم نجيب محفوظ بما حدث من أن السيناريو الذي كتبه قد تدخل فيه حسن رمزي بتعديل مقتبس من كاتب هاو وكانت النتيجة أن صاحب القصة المقتبسة رفع دعوى على نجيب محفوظ باعتبار أن اسمه وضع على الفيلم ككاتب سيناريو، ويعود نجيب محفوظ فيضرب كفا على كف ويقول إن أمنيته الوحيدة هي أن يرى السيناريو الذي وضعه وقد نفذ في الفيلم دون أن تجري عليه التعديلات والتغييرات التي ليس له يد فيها والتي تجعله في النهاية لا يرى في الفيلم أي أثر للمعالجة التي قام بها، جرت تلك الواقعة عام 1958 وفى عام 1965 نشرت مجلة الكواكب خبرا يقول: نجيب محفوظ يحضر بروفات قصة حنظل والعسكري حتى يدلي برأيه في مدى تقارب وجهات نطر التمثيلية مع القصة الأصلية.

حين تعرض نجيب محفوظ للسرقة

تعرضت روايات نجيب محفوظ للتزوير مرارا وتكرارا بحكم كونه الكاتب الأكثر إنتاجا والأغزر شهرة وقد طبعت كتبه عشرات الطبعات لكن كتبه لم تكن تزور في مصر فقد بل كانت تزور في دول عربية أخرى خصوصا بعد حصوله على جائزة نوبل.
يقول في هذا السياق كما يذكر محمد سلماوي في كتاب حوارات نجيب محفوظ: كنت جالسا فى قهوة ريش وجاءنى رجل لبنانى طويل مهيب، وعرفنى بنفسه قائلا: أنا الذى زوّرت كتبك من "عبث الأقدار" الى "ميرامار"، قلت له: أهلا وسهلا.. ماذا تريد؟ فقال: أريد أن أعقد معك اتفاقا، لأنك بفضلى تُقرأ فى جميع الدول العربية، فقلت له: ولماذا تريد الإتفاق؟ فقال: إن المزورين كثروا فأصبح التنافس بيننا شديدا وعنيفا، لذلك أردتُ أن أتفق معك لكى أكون أنا مزوّرك الوحيد، حتى أرغم باقى المزورين على سحب كتبهم من السوق، وذلك نظير حقك المادى طبعا. وقد وجدت كلامه منطقيا، فوقّعت معه الإتفاق الذى كان يريده".

زواج نجيب محفوظ.. أن تأتى متاخرا

تزوج الأديب العالمي نجيب محفوظ في عام 1954 في سن الثالثة والأربعين من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عن الوسط الثقافي وأصدقائه لمدة عشر سنوات كاملة رغبة منه في الحفاظ على خصوصية حياته وتفرغه التام للأدب.
ويحكى عن فترة شبابه الفترة التي سبقت زواجه بنص كلامه وفقا لكتاب مذكرات نجيب محفوظ لرجاء النقاش: "كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري، ومن رواد الصالات والكباريهات، ومن يراني في ذلك الوقت يتصور أن شخصاً يعيش مثل هذه الحياة المضطربة، وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسي لا يمكن أن يعرف الحب والزواج. كانت نظرتي إلى المرأة في ذلك الحين جنسية بحتة، ليس فيها أي دور للعواطف أو المشاعر، وإن كان يشوبها أحياناً شيء من الاحترام، ثم تطورت هذه النظرة وأخذت في الاعتدال بعدما فكرت في الزواج والاستقرار".

أما عن أسباب تأخر زواجه، يقول: "كانت والدتي تقوم بكل مطالبي من طعام وغسيل وكي، فكانت حياتي في المنزل منظمة، أعود لأجد كل شيء كما أريده" والسبب الآخر يذكره نجيب محفوظ عرضاً وهو يحكي عن تجربته: "كثير من زملائي الذين تزوجوا على أساس الحب الرومانسي فشلوا"، ومع تكرار قصص حبه التي تنتهي من دون زواج، كان محفوظ يبتعد أكثر فأكثر عن فكرة الدخول في مغامرة الزواج.
أما السبب الأهم فهو تخوف نجيب محفوظ المزمن من أن يؤثر زواجه في مشروعه الأدبي، وقد ذكر ذلك بأكثر من صيغة وفي أكثر من حوار، يقول مثلاً: "كنت في تلك الفترة أناقش نفسي في يومياتي التي كنت أواظب على كتابتها: هل أتزوج أم لا؟ وكنت أعتقد أن الزواج سيحطم حياتي الأدبية، وللأسف كان كلامي غير صحيح، فالحقيقة أن حياتي الزوجية ساعدتني، وليس العكس، واكتشفت أن الأديب "عايز حد جنبه، وقلبه عليه".
أما عن لقاؤه مع زوجته السيدة "عطية الله"، والأسباب جعلته يعدل عن قراره، بل ويسارع لإتمام الزواج، يقول: "كان أحد أصدقائي متزوجاً، ولزوجته أخت هادئة الطباع رقيقة المشاعر، فوجدت فيها ما أبحث عنه، إذ كانت متفهمة لطبيعة تكويني الشخصية واحتياجاتي ككاتب، فكانت الزوجة المناسبة لي من مختلف الوجوه، فوجدتني منجذباً إليها وكنت مشدوداً بهاجس يقول لي أنت لو لم تتزوج هذه المرة لن تتزوج أبداً".

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق