نجيب محفوظ والصوفية.. أَحبّ الصوفيين وليس منهم

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من دواعي سرورنا، أن الأدب ظفر بنجيب محفوظ، في معركته الشديدة مع الفلسفة، حينما كان نجيب محفوظ طالبًا بكلية الآداب قسم الفلسفة، ومع ذلك، ظلت الفلسفة حاضرة بقوة في أدب صاحب نوبل المصري، حتى ذابت في أدبه، فأنتج لنا عشرات الأعمال الأدبية رفيعة المستوى، التي تزخر بالمفاهيم والمعانى الإنسانية العليا وقضايا الوجود، بعمق فلسفي شديد الجدية، وصاغها بأسلوبه الآسر والساحر، في عوالمه الخاصة، فانطلق من حارته الصغيرة إلى فضاء العالم الكبير، ومن الخاص إلى العام، ومن المحلي إلى العالمي، حاملا على كتفيه هموم العالم ومآسيه وتساؤلاته عن الخير والعدل والجمال والحب وعن الإنسان ذاته، مستكشفا حاضر مصر وماضيها.

تكشف مسيرة نجيب محفوظ الأدبية عن اهتمام جلي بقيمة الزُهد، وهو أحد مقامات التجربة الصوفية، ولكن، ما هي نظرة نجيب محفوظ للصوفية وتعريفه لها، وكيف صاغ شخصيات روائية وقصصية متصوفة، وكيف تقاطعت تلك الشخصيات مع القضايا الإنسانية والوجودية، وما الفارق بين شخصياته الصوفية وشخصياته الدينية، وقبل كل ذلك، هل كان نجيب محفوظ نفسه أديبا صوفيا؟
تحاول هذه السطور، أن تُجيب على هذه الأسئلة، ليس بقراءة نصوص نجيب محفوظ التي تخللتها أجواء روحانية وصوفية فحسب، ولكن من واقع أحاديثه الصحفية ومناقشاته مع النقاد والمتخصصين، فالتصوف كفكرة فلسفية، أطلت بوجهها في عشرات الأعمال الروائية والقصصية لنجيب محفوظ، بشكل مباشر تارة، وتارة أخرى بين سطور النص، وقد رأينا أطياف من الصوفية في أعمال مثل "اللص والكلاب"، و"الثلاثية"، و"أولاد حارتنا"، و"الطريق"، و"الشحاذ"، والحرافيش"، و"رحلة ابن فطومة"، و"حضرة المحترم"، و"حديث الصباح والمساء"، وفى المجموعات القصصية، تجلت في كثير منها أبرزها مجموعة "دنيا الله"، وغيرهم من الأعمال الأدبية المُمتعة.

 أديب نوبل: الصوفية كالشعر الجميل لكنها ليست الإجابة

"التصوف لديّ ليس سلوكا وموقفا في الحياه وإنما هو "عشق"

"أنا أحب الصوفية مثلما أحب الشعر الجميل، ولكنها ليست الإجابة.. الصوفية مثل السراب فى الصحراء، يناديك، أن تعال، فاجلس واسترح قليلاً. إنني أرفض أي طريق يرفض الحياة، ولكنني لا أملك إلا أن أحب الصوفية لجمالها الشديد ... إنها لحظة راحة في خضم معركة"

بهذه الكلمات، التي جاءت في كتاب "بيت حافل بالمجانين.. حوارات باريس رفيو" ترجمة وتقديم أحمد الشافعي، يُلخص لنا الأديب العالمي نجيب محفوظ موقفه تجاه الصوفية، فهو يعترف اعترافا صريحا بحبه للصوفية، ولكنه ليس كأى حب، فهو يشبه حبه للشعر الجميل، أي أنه تذوق في الصوفية الجانب الفني، لكن يعود ويؤكد أنها ليست الإجابة، إذن فالصوفية كانت واحدة من ضمن إجابات كثيرة للتساؤلات التي ظل محفوظ يطرحها طيلة حياته، عن قيم العدل والخير والمساواة، وعن السُبل المُمكنة لخلاص الإنسان من عذابه وقهره والظلم الذى يقع عليه، هي واحدة من الإجابات، لكنها في وجهة نظره ليست الإجابة الصحيحة، لكن يظل مضمونها حاضرا لديه، إذ تأثر بالصوفية لأنه أحبها بالفعل.
يقول نجيب محفوظ في نقاش له مع الكاتب والمفكر مصطفى عبد الغنى وثقه الأخير في كتاب "نجيب محفوظ.. الثورة والتصوف": "التصوف لديّ ليس سلوكا وموقفا في الحياه، وإنما هو "عشق" أي الإطلاع عليه والرغبة فيه، غير أن ممارسته شيئا صعبا جدا، إننى لا أملك قط غير الرغبة، والرغبة فقط في الاقتراب من التصوف، وعشقه عندي بهذا الشكل، أما غير ذلك فلا أقدر"
الصوفية حالة لكنها عند نجيب محفوظ أداة لغاية مختلفة عن غايتها الأساسية، فالصوفيون يصفون التجربة الصوفية بأنها المنزلة الروحية التي يتصل فيها العبد بربه أو يتصل فيها المتناهي باللامتناهي، ولكن لدى نجيب محفوظ، الصوفية هنا بمثابة الأداة للبحث عن الحقيقة بمعناها الاجتماعي والسياسي وليس معناها لدى الصوفيين.
لكن، ما الذى جعل نجيب محفوظ يرى أن الصوفية ليست الإجابة؟ يقول محفوظ: "اتجهت للصوفية كطريق للمعرفة، أية معرفة تكون بالقطع هي الوعي بمفرادات الحياه والعيش فيها، أما التطلع إلى شيء من عوالم الصوفية الغامضة فإن ذلك هو حالة من الفصام الذى لا أريد أن أُشغل به قط.
وبالتالي، فالصوفية التي يعشقها نجيب محفوظ، تقف عند حدود المعرفة، وما يتخطى ذلك، يراه محفوظ أنه يتناقض مع الواجب اليومي للمثقف، وذلك تناقض مع قيمة العلم، فالإنسان في رأيه هو الذى يفهم ويعي معني هذه الآية: "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا"، لا الاستكانة والغيبوبة في فلسفات لا تتسع لها الحياة، يبغي الإستجابة للهموم اليومية والقومية، وليس الركون إلى برج صوفي يزعم صاحبه انه لا علاقة به والحياة.
قبل ست سنوات، نشر الكاتب والناقد محمد شعير، أوراق بخط يد نجيب محفوظ نفسه عن الصوفية، كتبها بالقلم الرصاص، إذ قال فيها كما نقل عنه شعير: "التصوف في مذهبي.. لا عزلة ولا رهبنة، لكنها الحياة الحياة الحياة. أن تخوض غمار الحياة حاملا الله في قلبك، وجاعلا منه دليلا لكل فكر أو إحساس أو عمل"، وكتب أيضا: "ليس التصوف كثقافة أن تقرأ التصوف.. ولكن أن تقرأ كل شىء بروح المتصوف"
 

متولي عبد الصمد وزعبلاوي وعلي الجنيدي وعبد ربه التائه..
أصوات محفوظ الميتافيزيقية التي تجاوزت المعني

لم يكتب نجيب محفوظ أدبا يمكن أن نطلق عليه أدبا صوفيا، لكن كثير من رواياته جاءت بمضامين وأفكار وشذرات صوفية، وروايات أخرى تضمنت شخصيات صوفية واضحة، والشخصيات الصوفية في أدب نجيب محفوظ، تحتاج إلى صفحات وصفحات للوقوف عندها وتأملها، وتفكيكها ودراسة نظرتها لقضايا الوجود، فهناك المتصوفين عند فهم ودراعية وعمق، وهناك من استخدمه نجيب محفوظ ليكون صوتا ميتافيزيقيا، وهناك مُدعيّ التصوف، وتضمن أدبه كذلك متصوفين خارج الدين، فبدا وكأن التصوف في حد ذاته بمثابة الرحلة.
في رواية "الطريق"، يبحث صابر الرحيمي عن والده، بعد أن أخبرته أمه بسيمة عمران وهي على فراش الموت، بأن والده حي، فانطلق في رحلة بائسة يبحث عن والده، كانت انعكاسا بشكل أو بآخر لرحلة الإنسان للبحث عن الحقيقة والمعنى وسر الوجود، وهي رواية لا تحتوي بطلا أو شخصية متصوفة، لكن الرحلة ذاتها بأحداثها وصراعاتها، حملت حسا صوفيا، لا سيما في الصراعات المحتدمة بين الأفكار التائهة بين شخصيات الرواية، الثلاثي (صابر وكريمة وإلهام).
أما في "الثلاثية"، فلدينا درويشا متصوفا وهو الشيخ متولي عبد الصمد، والذى كان بمثابة الجسر بين السيد أحمد عبد الجواد، بمجونه وفُجره، وبين الموروث الدينى الشائع، فهو يحُسن إلى هذا الدرويش عن صدق، لكن لا تفلح نصائح الشيخ مع "سي السيد"، وقد أبدع نجيب محفوظ في إبراز التدرج ما بين قوة متولي عبد الصمد وتأثيره في البداية "بين القصرين"، وضعفه ووهنه في نهاية السكرية، بشكل يوازي الإنهيار الذى أصاب العائلة.
ولعل واحدة من أبرز الشخصيات المحفوظية على الإطلاق الشيخ "زعبلاوي"، الذى جاء في قصة بنفس الإسم ضمن مجموعة "دنيا الله"، وفيه يبحث شخص مريض عن الشيخ زعبلاوي الذى طالما سمع عنه من والده، وأن له كرامات، وأنه يُشفي المرضى، وفى هذه القصة، يواصل محفوظ هوايته بالسؤال الأبرز لديه، وهو البحث عن الذات العليا، وهو ما تكرر في أكثر من عمل له، "زعبلاوي" لم يظهر في القصة بشكل واضح، شأنه شأن "سيد سيد الرحيمي"، لكن أوصافه التي جاءت على لسان الشخصيات التي صاحبوه، تكشف عن تلك الهالة المقدسة التي تحيط بيه، وتكشف كذلك عن رمزيته الواضحة.

ويلجأ نجيب محفوظ في رحلة البطل في البحث عن الزعبلاوي إلى بيت شعر قِيل على لسان الملحن قبل أن يغني، إذ قال: "أدِرْ ذِكْرَ مَن أهوَى ولو بمَلامي... فإن أحاديثَ الحبيبِ مُدامي"، وهو بيت شعر لابن الفارض عن العشق الإلهي.
في مقاله "الله والرمز في أدب نجيب محفوظ: الزعبلاوي نموذجا"، يقول الكاتب كريم جمال: "ودلالة الخمر في الوعي الصوفي دائما ما تعبر عن نشوة الوجد، وأغلب أشعار الصوفي عن السُّكر تكون ذات معنى باطني للإشراق الإلهي"، وذلك تعليقا على دخول البطل في حالة من السُّكر، والرؤية التي جاءته، ثم علمه بوجود "الزعبلاوي" حينما كان على هذا الحال.
حينما يخرج "سعيد مهران" من السجن في رواية اللص والكلاب"، يلجأ إلى الشيخ علي الجنيدي، لكن سرعان ما يكتشف أن ما يبحث عنه ليس موجود عند ذلك الرجل المتصوف، فهو شخص يكاد يصل إلى السلبية، ربما يقدم بعض المسكنات لسعيد كما يصف نجيب محفوظ نفسه في مذكراته مع الكاتب رجاء النقاش، لكنها لا تحل مشكلاته، هذا الموقف للشيخ على الجنيدي، يحيلنا إلى رأي محفوظ نفسه عن الصوفية، بأنها ليست الإجابة.
واحدة من الشخصيات الآسرة في أدب نجيب محفوظ، كان الشيخ عبد ربه التائه، في أصداء السيرة الذاتية، وهي سيرة مختلفة، كتبها محفوظ بشكل تجريبي، وتضمنت تكثيفا عميقا لفلسفات وأفكار نجيب محفوظ، وخلاصة تجاربه، لكن يمكننا أن ننتقى منها ما يتماشى مع تصورات محفوظ نفسه عن الصوفية وعلاقتها بالحياه، "قلت للشيخ عبد ربه التائه: سمعت قومًا يأخذون عليك حبك الشديد للدنيا.. فقال: حب الدنيا آية من آيات الشكر، ودليل وَلَع بكل جميل، وعلامة من علامات الصبر".

"حضرة المحترم".. التصوف في محراب الوظيفة
حينما يؤدى "الطريق المقدس" إلى كرسي المدير

تمثل رواية "حضرة المحترم"، التي كتبها نجيب محفوظ في عام 1975 مأساة أو تراجيديا لبطل أفنى حياته في التطلع لما يمكن أن نطلق عليه "الكمال الوظيفي"، فالبطل هنا هو عثمان بيومي، الذى يبدأ مسيرته الوظيفية كموظف في الدرجة الثامنة، ويظل طيلة حياته يتطلع إلى كرسي المدير العام، كان ذلك هو هدفه الأول والأخير في الحياة، ولهذا ضحى بكل المغريات المتاحة أمامه في سبيل هذا الهدف، وكأنه فارس في ساحة قتال، اعتزم على ألا يثنيه عن النصر أي شيء، والنصر في هذه الحالة كان كرسي المدير العام، الذى استطاع أن يصله بالفعل، لكنه وصل إليه منهكا مريضا، فبدا وكأنه لم يتذوق طعمه.
ولمحفوظ فلسفة خاصة تجاه الوظيفة بشكل عام، لا يمكن فصلها عن كونه واحد من أبناء جهاز الدولة الوظيفي، لم يتخل عن وظيفته رغم نجاحه الأدبي، إلا عند إحالته للمعاش، إذ ينظر محفوظ تجاه الوظيفة نظرة تاريخية ويعتبرها متجذرة في الإنسان المصري، منذ العصور القديمة، إذ يقول الراوي في رواية "حضرة المحترم": "وقال لنفسه أيضًا إن الموظف مضمون غامض لم يُفهم على وجهه الصحيح بعد. الوظيفة في تاريخ مصر مؤسسةٌ مقدسةٌ كالمعبد، والموظف المصريُّ أقدم موظفٍ في تاريخ الحضارة. إن يكن المثل الأعلى في البلدان الأخرى محاربًا أو سياسيًّا أو تاجرًا أو رجل صناعةٍ أو بحَّارًا فهو في مصر الموظف. وإن أول تعاليم أخلاقية حفظها التاريخ كانت وصايا من أبٍ موظف متقاعد إلى ابنٍ موظف ناشئ. وفرعون نفسه لم يكن إلا موظفًا معيَّنًا من قبل الآلهة في السماء ليحكم الوادي من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية. ووادينا وادي فلاحين طيبين يحْنون الهامات نحو أرض طيبة ولكنَّ رءوسهم ترتفع لدى انتظامهم في سلك الوظائف، حينذاك يتطلَّعون إلى فوق، إلى سلَّم الدرجات المتصاعد حتى أعتاب الآلهة في السماء. الوظيفة خدمة الناس وحقٌّ للكفاءة وواجبٌ للضمير الحيِّ وكبرياء للذات البشرية وعبادةٌ لله خالق الكفاءة والضمير والكبرياء"
بهذا الربط، يمكن قراءة علاقة عثمان بيومي بالوظيفة باعتبارها شكلا مغايرا من أشكال التجربة الصوفية عند محفوظ، فهي لا تتجه إلى الزهد طلبا للخلاص الروحى كما في شخصيات محفوظ الصوفية في روايات أخرى، وإنما إلى الزهد سعيا وراء المجد والاكتمال الوظيفي.

ويشير طبيب النفسي الراحل يحيى الرخاوي في مقاله "حضرة المحترم – نجيب محفوظ" الذى نُشر بموقع اليوم السابع، ، إلى أن اللغة التي استخدمها أديب نوبل، في رواية "حضرة المحترم"، وأنها تشبه اللغة الصوفية.
وقد أفصح عثمان بيومي عن نظرته الخاصة تجاه النجاح الوظيفي باعتباره غاية الإنسان أو كمان يقول "الطريق المقدس" حينما دار حوار بينه وبين مديره حمزة السيوفي، حول مفهوم السعادة:
وقال له حمزة السويفي: السعادة هي غاية الإنسان في هذه الحياة ..
فقال عثمان بازدراءٍ باطنيٍّ: لو كان الأمر كذلك لما سمح سبحانه بخروج أبينا من الجنة ..
–إذن فما الهدف من الحياة في نظرك؟
فأجاب باعتزاز: الطريق المقدس ..
– وما هو الطريق المقدس؟
– هو طريق المجد، أو تحقيق الألوهية على الأرض!
فتساءل حمزة بدهشة: أتطمح حقًّا إلى سيادة الدنيا؟
– ليس ذلك بالدقة، ولكن في كل موضع يوجد مركز إلهي
مقدمة الرواية في سطورها الأولى تشي بمفهوم عثمان عن الوظيفة كـ "طريق مقدس" وغاية نهائية، حيث يقول الراوي: "انفتح الباب فتراءت الحجرة متراميةً لانهائية. تراءت دنيا من المعاني والمثيرات لا مكانًا محدودًا منطويًا في شتى التفاصيل. آمن بأنها تلتهم القادمين وتذيبهم؛ لذلك اشتعل وجدانه وغرق في انبهارٍ سحري. فقدَ أوَّل ما فقد تركيزه. نسي ما تاقت النفس لرؤيته، الأرض والجدران والسقف. حتى الإله القابع وراء المكتب الفخم".
وعن هذه المقدمة يقول الكاتب والناقد الأدب السوري جورج طرابيشي في كتابه الأعمال النقدية الكاملة : "من الصفحة الأولى من اللحظة الأولى لدخوله «تاريخ الحكومة»، يضع عثمان بيومي نفسه - ويضعنا معه - على مستوى الطقس الديني: فهو عندما يمثل للمرة الأولى في حضرة المدير العام، يصف حجرته بأنها "مترامية لانهائية" و"دنيا من المعاني والمثيرات، ويصف المدير العام بأنه إله قابع خلف مكتب فخم"، ويصف مثوله في حضرته بأنه مثول في الحضرة بكل ما في هذه الكلمة من مدلول صوفى".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق