ما أشبه اليوم بالبارحة.. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حربًا مفتوحة مع إيران، وتتواصل المواجهة بين البلدين وسط تعثر مساعي التوصل إلى تسوية، تعيد أحداث أغسطس 1953 إلى الذاكرة واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في التاريخ الإيراني الحديث؛ ففي 16 أغسطس من ذلك العام غادر الشاه محمد رضا بهلوي إيران متجهًا إلى بغداد، بعد فشل المحاولة الأولى للإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق، قبل أن تنقلب الأحداث بعد ثلاثة أيام فقط وينجح أنصار الشاه، بدعم أمريكي وبريطاني، في إسقاط حكومة مصدق وإعادته إلى السلطة.
وبعد أكثر من سبعة عقود، تعود إيران والولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وإن اختلفت الظروف والأهداف والسياقات السياسية؛ فالحرب الحالية التي بدأت في فبراير 2026 تحولت إلى صراع ممتد، فيما تعثرت محاولات وقف القتال، وأصبح مضيق هرمز أحد أبرز ساحات المواجهة بين الطرفين
في مثل هذا اليوم 16 أغسطس عام 1953، غادر شاه إيران محمد رضا بهلوي البلاد متجهًا إلى بغداد، بعد فشل المحاولة الأولى للإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق، في واحدة من أكثر اللحظات إثارة في الأزمة السياسية التي انتهت بعد أيام بإسقاط حكومة مصدق وعودة الشاه إلى طهران.
وكانت الأزمة قد تصاعدت منذ 1951، عندما قاد مصدق مشروع تأميم صناعة النفط الإيرانية، في خطوة اصطدمت بالمصالح البريطانية، وأدخلت البلاد في مواجهة سياسية واقتصادية حادة، وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تعملان على دعم خطة للإطاحة بحكومة مصدق، عُرفت العملية الأمريكية باسم «أجاكس» (TPAJAX).
الشاه يصدر قرار عزل مصدق
قبل مغادرته إيران، أصدر الشاه مرسومًا يقضي بإقالة مصدق من رئاسة الوزراء وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي خلفًا له. وتشير الوثائق الأمريكية والبريطانية إلى أن المرسوم صدر في 13 أغسطس، ونُقل سرًا إلى طهران، بينما تولى العقيد نعمت الله نصيري مهمة إبلاغ مصدق بالقرار.
وفي ليلة 15 أغسطس، توجه نصيري إلى منزل رئيس الوزراء لتسليم المرسوم، لكن المحاولة فشلت، وأُلقي القبض عليه. وأعلنت الحكومة في صباح اليوم التالي إحباط محاولة الانقلاب، بينما أظهرت وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن قوات حكومية اعتقلت عددًا من الضباط المرتبطين بالمحاولة.
الشاه يغادر إلى بغداد
مع فشل المحاولة الأولى، غادر الشاه وزوجته إيران يوم 16 أغسطس متوجهين إلى بغداد. وتوضح الوثائق البريطانية أن الشاه غادر من رامسر متجهًا إلى العراق، بعدما بدا أن مصدق وحكومته قد أحكما السيطرة على الموقف.
ومن بغداد، انتقل الشاه إلى روما، ووصل إليها في 18 أغسطس. وفي مقابلة هناك، نفى أن يكون قد فر من إيران، لكنه أقر بأنه لن يعود إليها فورًا، لكن مغادرة الشاه لم تكن نهاية الأزمة، بل كانت مقدمة للمرحلة الحاسمة منها.
19 أغسطس.. سقوط مصدق
بعد ثلاثة أيام فقط، في 19 أغسطس 1953، بدأت في طهران مظاهرات مؤيدة للشاه ومعادية لمصدق، شارك فيها مؤيدون للملكية وأعداد من المدنيين، إلى جانب عناصر مرتبطة بالأجهزة الأمنية والعسكرية. وتذكر وثائق بريطانية أن الشرطة لم تتدخل في البداية لمنع المتظاهرين، كما انضمت وحدات من الجيش إلى الحركة المؤيدة للشاه.
وخلال ساعات، هاجمت الحشود مكاتب صحف وأحزاب مؤيدة لمصدق، ثم تمكن أنصار زاهدي من السيطرة على محطة الإذاعة، التي أعلنت نجاح الانتفاضة وقرأت مرسوم الشاه بتعيين زاهدي رئيسًا للوزراء. وفي نهاية اليوم أصبحت حكومة مصدق خارج السلطة.
وتؤكد وثائق أمريكية لاحقة أن فضل الله زاهدي أصبح في 19 أغسطس مسيطرًا على طهران، وأن الشاه كان يستعد للعودة من روما إلى إيران. كما تظهر وثائق وكالة الاستخبارات المركزية أن واشنطن كانت تضغط باتجاه عودته سريعًا إلى البلاد.
ما حقيقة الدور الأمريكي والبريطاني؟
أصبحت أحداث أغسطس 1953 تُعرف تاريخيًا باسم الانقلاب الإيراني عام 1953، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية أجاكس التي شاركت فيها الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بهدف إسقاط حكومة مصدق وإعادة تثبيت حكم الشاه.
لكن الصورة التاريخية لا تختزل في القول إن الخارج وحده أسقط مصدق؛ فقد كانت هناك أيضًا صراعات سياسية داخلية، وتوتر بين مصدق والملكية، ومخاوف من تنامي نفوذ حزب توده الشيوعي، ومشاركة قوى وشخصيات إيرانية مؤيدة للشاه. وتكشف الوثائق نفسها عن وجود عناصر من الحركة التي خرجت في 19 أغسطس كانت عفوية، إلى جانب عناصر منظمة ومدفوعة، وهو ما يجعل الانقلاب حدثًا مركبًا تداخلت فيه العوامل الداخلية والخارجية.


















0 تعليق