في مثل هذا اليوم من عام 1942، استيقظت صحراء العلمين المصرية على دوي قصف مدفعي زلزل الأرض، معلناً بدء معركة العلمين الأولى، صراع دموي طاحن بين قوتين عظميين (الحلفاء والمحور)، لم يكن لمصر فيه ناقة ولا جمل، لكنها دفعت الثمن الأبهظ من سيادتها، واقتصادها، وأرواح أبنائها.
الزحف نحو الحدود المصرية
بحسب موقع "هيستوري" العالمي، بدأت الشرارة الأولي تنطلق في يونيو 1942، بعدما نجح البريطانيون في دفع القائد الألماني إرفين رومل إلى موقع دفاعي في ليبيا، لكن الأخير استطاع صد الهجمات الجوية، مكبداً البريطانين خسائر فادحة، وإجبارهم على الانسحاب ودفعهم إلى الأراضى المصرية "العلمين".

المعركة الأولى (1-3 يوليو)
تحت وطأة الاحتلال وبموجب معاهدة 1936، تحولت الأرض المصرية رغماً عنها إلى معسكر حرب ضخم ومفتوح، حيث اندلعت على أرضها وتحديدا في العلمين عدة معارك شرسة كانت نقطة تحول في مصير الحرب العالمية الثانية، وفي اليوم الأول من شهر يوليو، بدأت قوات المحور هجومها في الساعات الأولى من الفجر ولقيت الفرقة 21 بانزر المدرعة الألمانية الشهيرة (التابعة لفيلق أفريقيا) مقاومة شرسة في منطقة "دير الشين" جنوب العلمين، وتوقف تقدمها مؤقتاً بسبب حقول الألغام الكبيرة، لكنها استطاعت أن تستأنف الهجوم وتحتل الجزء الأكبر من دير الشين في نفس اليوم.
من ناحية أخرى بدأت الفرقة الألمانية 90 الخفيفة هجومها، حيث واجهت قصفاً بريطانياً مركزاً لدرجة جعلتها تطلب النجدة من قيادة "المحور" لعجز مدفعيتها ورغم تلقيها مجموعة قتالية مساندة، لكنها لم تستطع الصمود أمام القصف البريطاني العنيف.
وفى 3 يوليو تكرر المشهد الصعب للقوات الألمانية، حيث شل القصف البريطاني حركتها تماماً، كما تعرضت فرقة "أريتي" الإيطالية لهجوم نيوزيلندي أدى لاندحارها، وبالكاد صدت القوات الألمانية الهجوم.
عندئذ، اضطر رومل لإيقاف هجومه عدة أيام، ليرد البريطانيون بهجمات محدودة في الفترة من (4 إلى 8 يوليو) نجح الألمان في صدها واستمر هذا الوضع الي ان فقدت القوات الألمانية قواتها بسبب نقص الإمدادات أيضا وحرارة الصحراء القاسية إلى أن استسلمت وانسحبت وانتصرت قوات الحلفاء.

معاناة المصريين
بينما كان القادة العسكريون يديرون هذه الخطط التكتيكية المعقدة، كان المواطن المصري يقع في خط النار مباشرة، ورغم أن الجيش المصري لم يشارك في القتال الأمامي، إلا أن الآلة العسكرية للحلفاء استنزفت طاقات الشعب، حيث سيق آلاف العمال والفلاحين المصريين قسراً لحفر الخنادق المحيطة بـ"دير الشين" وخطوط العلمين، ومد السكك الحديدية تحت القصف الجوي المستمر.
كما أن القوات البريطانية صادرت من المحاصيل والمواشي لتموين جيوشها، ما تسبب في أزمة غلاء طاحنة ونقص حاد في السلع الأساسية للمواطنين، إلي جانب هجرة سكان مطروح والساحل الشمالي والإسكندرية إلي المحافظات والقرى.

حدائق الشيطان
انتهت المعركة بوقف زحف الألمان، وتغنى العالم بنصر الحلفاء، ورحلت الجيوش الأجنبية عن الصحراء لكنهم تركوا خلفهم تركة ملعونة للمصريين، ملايين الألغام الأرضية في مساحات شاسعة أطلق عليها رومل اسم "حدائق الشيطان".
على مدار عقود طويلة بعد الحرب، ظلت هذه الألغام تحصد أرواح المدنيين الأبرياء من البدو والفلاحين، وتشل حركة التنمية في الساحل الشمالي، لتظل العلمين شاهداً حياً في ذكراها على مأساة وطن عانى من حرب "لم تكن حربه".

العلمين في ثوبها الجديد
الآن وبعد مرور أكثر من 80 عاما لم تظل العلمين أسيرة لماضيها الدامي، ففي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاضت الدولة المصرية معركة جديدة لا تقل ضراوة عن معارك الماضي، وهي "معركة التنمية والتعمير"، حيث نجحت الدولة في تطهيرها من الألغام وتحويل "حدائق الشيطان" إلى مدينة العلمين الجديدة، كواحدة من أبرز مدن الجيل الرابع الذكية في مصر، محققة بذلك طفرة غير مسبوقة عبر ساحل البحر المتوسط شملت الأبراج الشاطئية والناطحات السحابية والأبراج السكنية والفندقية العملاقة لتضاهي كبرى المدن العالمية التي تستقطب ملايين الزوار والشركات العالمية، بجانب إنشاء الممشى السياحي، والمنطقة الترفيهية، والجامعات الأهلية الدولية.
وفي ذكرى المعركة تقف العلمين كرسالة صمود مصرية للعالم، فالمكان الذي شهد يوماً مأساة حرب فرضت على المصريين، بات يصنع اليوم مستقبلاً مشرقاً بأيادٍ مصرية خالصة.
















0 تعليق