من دار الأوبرا إلى وزارة الثقافة.. كواليس اعتصام المثقفين الذي مهد لثورة 30 يونيو

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، شهدت وزارة الثقافة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الحركة الثقافية المصرية، بعدما تحولت إلى ساحة اعتصام مفتوحة ضمت كبار الأدباء والمفكرين والفنانين، احتجاجًا على ما اعتبروه محاولة لـ"أخونة الثقافة" وتغيير هوية المؤسسات الثقافية المصرية.

واستمر الاعتصام نحو 45 يومًا، ولم يعد مجرد احتجاج على قرارات وزير الثقافة آنذاك، بل تحول إلى واحدة من الشرارات التي مهدت للحراك الشعبي الواسع الذي انتهى بسقوط حكم جماعة الإخوان.

قرارات الوزير.. الشرارة الأولى

بدأت الأزمة عندما أصدر وزير الثقافة آنذاك علاء عبد العزيز قرارات بإقالة عدد من قيادات الوزارة، أبرزهم الدكتورة إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية، والدكتور أحمد مجاهد من رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى جانب تغييرات أخرى اعتبرها المثقفون محاولة لإحلال عناصر محسوبة على جماعة الإخوان داخل المؤسسات الثقافية.

وأثارت هذه القرارات غضبًا واسعًا داخل الوسط الثقافي، الذي رأى فيها تهديدًا لاستقلال المؤسسات الثقافية ومحاولة للسيطرة على القوة الناعمة المصرية.

 

مؤتمر الصحفيين.. بداية التحرك

كانت البداية الحقيقية من المؤتمر الذي عُقد بنقابة الصحفيين، بحضور نخبة كبيرة من رموز الثقافة والفكر، من بينهم الروائي الراحل بهاء طاهر، والكاتبة فتحية العسال، والشاعر أحمد فؤاد نجم، والمنتج محمد العدل، وعدد كبير من الفنانين والمثقفين.

ويروي الشاعر زين العابدين فؤاد أن الدكتور أحمد مجاهد طلب منه عدم الصعود إلى المنصة، حتى لا يبدو المشهد وكأنه دفاع عن أشخاص تمت إقالتهم، مؤكدًا أن القضية كانت تتعلق بالدفاع عن الثقافة المصرية، وليس عن المناصب.

وخلال المؤتمر طُرحت فكرة استغلال الساحات المفتوحة أمام وزارة الثقافة ودار الأوبرا لتقديم الفنون للجمهور، وهي الفكرة التي تحولت لاحقًا إلى أحد أهم ملامح الاعتصام.

بهاء طاهر يعلن الاعتصام

في واحدة من اللحظات الفارقة، توجه الروائي الكبير بهاء طاهر، يرافقه صنع الله إبراهيم، وسيد حجاب، وفتحية العسال وعدد من المثقفين إلى مقر وزارة الثقافة بالزمالك، مطالبين بلقاء الوزير.

وبعد إبلاغهم بعدم وجوده، أعلن بهاء طاهر الاعتصام من داخل مبنى الوزارة، لينتقل الاعتصام رسميًا من دار الأوبرا إلى مقر الوزارة، ويبدأ فصل جديد من المواجهة بين المثقفين والسلطة آنذاك.

وزارة الثقافة تتحول إلى ساحة للفنون

لم يكن الاعتصام تقليديًا، بل تحول إلى مهرجان ثقافي وفني مفتوح. ففي الخارج كانت العروض الموسيقية والمسرحية والأمسيات الشعرية تقام يوميًا، بينما كانت فرق الأوركسترا تعزف في الشارع، وشاركت فرق مستقلة مثل "إسكندرلا"، والمطربة عزة بلبع، والفنان حازم شاهين، إلى جانب عشرات الشعراء والفنانين.

وكانت إحدى أبرز اللحظات تقديم فرقة باليه دار الأوبرا عرض "زوربا" في الشارع، في رسالة رمزية تؤكد رفض الهجوم على الفنون الراقية ومحاولات التضييق عليها.

كما شاركت فرق مسرح الشارع القادمة من المحافظات، وهو ما أثار إعجاب المخرج الكبير جلال الشرقاوي، الذي تساءل عن مصدر هذه المواهب، ليجيبه زين العابدين فؤاد: "خرجت من مناخ الحرية الذي صنعه الفن ميدان."

شارع نظيف واحترام للجيران

ويكشف المشاركون أن الاعتصام كان يُدار من خلال لجنة تنظيمية ضمت شخصيات عديدة، من بينها مها عفت، ومحمد العدل، والناشر الراحل محمد هاشم، وكان المعتصمون يحرصون يوميًا على تنظيف الشارع بعد انتهاء الفعاليات، وعدم استخدام مكبرات الصوت بعد منتصف الليل احترامًا لسكان الزمالك.

وفي المقابل، أبدى سكان المنطقة تضامنًا كبيرًا مع المعتصمين، إذ كانوا يرسلون لهم الحلوى والمشروبات ويتبادلون معهم الحديث بصورة يومية.

لوحات ساخرة ورسائل مقاومة

لم يخلُ الاعتصام من الفن التشكيلي، حيث رسم الفنان صابر طاهر لوحة كاريكاتورية ضخمة لوزير الثقافة آنذاك، وتحولت اللوحة إلى مساحة يوقع عليها المثقفون والزائرون، في تعبير رمزي عن رفضهم للسياسات التي كانت تُدار بها الوزارة.

كما شهدت قاعات الوزارة اجتماعات يومية لمناقشة خطوات التحرك، إلى جانب ورش فنية وعروض تشكيلية، لتتحول الوزارة نفسها إلى مركز للإبداع المفتوح.

من الاعتصام إلى ميدان التحرير

مع اقتراب موعد 30 يونيو، اتفق المعتصمون على تقسيم أنفسهم إلى مجموعتين؛ الأولى تبقى داخل الوزارة لحمايتها، والثانية تتوجه إلى ميدان التحرير للمشاركة في المظاهرات.

لكن مع اتساع الاحتجاجات، خرج الجميع إلى الميدان، لتشارك قوافل المثقفين والفنانين في الحشود الشعبية، فيما عُرفت إحدى المسيرات باسم "مسيرة القباقيب"، التي حملت رسائل ساخرة ضد جماعة الإخوان.

3 يوليو.. نهاية الاعتصام وبداية مرحلة جديدة

بعد إعلان بيان القوات المسلحة في 3 يوليو 2013، عاد المعتصمون إلى مقر وزارة الثقافة ليستمعوا إلى البيان من داخل المبنى الذي احتضن اعتصامهم لأسابيع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق