إن كثيرين يستطيعون أن يكتبوا ويسطروا على الأوراق الكلمات التي تروق لهم وتعبر عما يشعرون به، ولكن الكاتب الذي يصيب حقيقة هو من يقدر على التعبير بالكلمة عن الشعور الذي يعتمل في داخله، فينقله صادقًا من خلال اللغة. وكلما كانت الكلمات أكثر قدرة على رسم ذلك الشعور والتعبير عنه، كانت أصدق وأقرب إلى النفوس والقلوب.
ففي الشعور الواحد، لدى ألف إنسان، ألف تعبير مختلف. وأجمل هذه التعبيرات، أو أقربها إلى لغة الأدب، هو ما كان أقرب إلى الوصف الصادق، حتى وإن جاء بلغة بسيطة يسهل نفاذها إلى أعماق النفوس. فهي لا تستأذن ولا تطرق الأبواب، وإنما تقتحمها، وتترك أثرًا كبيرًا أو صغيرًا، وربما لا تترك أثرًا على الإطلاق إذا كان التعبير بعيدًا عن الوصف الصادق.
لذلك، فإن الأدب القريب إلى النفوس، والأدنى إلى القلوب، هو ما يعبر تعبيرًا صادقًا عن واقع إنساني لا مبالغة فيه ولا تنطع، وإنما يكون مرآة أمينة للشعور الإنساني، تنقله كما هو بلا افتعال. فالأدب ليس حلبة لصراع الكلمات ولا ميدانًا لتناطح القواميس، فإن لم يترك في النفس شعورًا حيًّا، فوجوده وعدمه سواء.
وما قيمة الكلمات والحروف من حيث هي كلمات وحروف تملأ المعاجم والقواميس؟ إن قيمتها الحقيقية تكمن في تلك التركيبة التي تترك أثرًا في النفس عند سماعها أو قراءتها؛ شعور يتغلغل في الأعماق، فيغدو زادًا للوجدان وقيمة للإحساس.
وفي كل فن من الفنون، على اختلاف أشكاله وأنواعه، يبقى المعيار واحدًا؛ فإن فقد أثره العميق في النفس، فلا قيمة له من حيث هو حروف مرصوصة أو صور متجاورة أو أنغام متتابعة. فاللحن، إن لم يمتزج بالأعصاب ويلتحم بوجدان الإنسان، فأين تكمن قيمته؟ إن جماله الحقيقي في ذلك الأثر العميق غير المرئي الذي يتركه في الداخل.
وكذلك الشعر، والرواية، والقصة، والعمل السينمائي أو المسرحي، وغيرها من الفنون؛ فهي في أصلها أحرف متقطعة وكلمات متباعدة، فإذا بالفنان يخلق منها شعورًا متكاملًا، فإذا ظهر إلى الوجود كان له ذلك الأثر المنشود الذي من أجله ائتلفت الحروف وتجاورت الكلمات.
ولك أن تجعل هذه القاعدة ميزانًا تفرق به بين الأعمال الجيدة وغيرها؛ فالنفس هنا هي التي تحكم، والأثر هو الذي يفرض جودته. إنه أثر لا يُنسى، وإن بهت مع الزمن. فما من عمل خالد إلا وترك في النفس بقية من رمق لا تنطفئ.
فهناك قصيدة لا تُنسى، ورواية تنحفر في الذاكرة، وفيلم أو مسلسل يظل حاضرًا في الوجدان. وحتى في الحياة اليومية، ثمة مواقف لا تُنسى، تشبه الأدب الراسخ في النفس؛ نتعلم منها، وتبقى حاضرة كلما احتجنا إلى معناها.














0 تعليق