فتاةٌ في عمر الصبا، قتلت أختَها براءةُ الحبّ: نقاءُ سريرتها، طفولتُها، وسذاجتُها المفرطة. لم يعبأ بها أحد، فتحمّلت المسؤولية كاملةً، رغم أنها لم ترتكب ذنبًا. تنكّرت لها الحياة، وألقت بها على عتبات الموت لتلقى مصيرها المحتوم.
حديث أمنة
هل يستطيع الإنسان أن يغفر؟ أن ينسى؟ أن يتواطأ مع جرحه؟ ثم إذا به يحبّ من ذبحه! إنها الحيرة التي تعكّر صفو الوجود، وذلك الدم الذي لا يزول أثره من الخيال والعقل؛ يظلّ فينا حتى ينمو ككائنٍ كامل، يعاتبنا، يقف في وجوهنا حزينًا، مكتئبًا، ينظر إلينا بحسرة، وفي عينيه دمعةٌ كبيرة تجول في محجرها ولا تسقط، فلا تُريح العين ولا تُجبر الخاطر.
كان لا بدّ من الانتقام، من القطع في الأمر، ولو على حساب قلبي. إنّه حقّها المعلّق في رقبتي، فلا أستطيع أن أُخْذِلها. أتشبّث بأشياء واهية، أبحث عن مخرجٍ لفعل ما أريد، وأتمنّى أن دمها الزكيّ لن يطاردني باللوم والعتاب. أستحضر صورتها حين بكت حظّها العاثر، ذلك القلق الذي أحال حمرة شفتيها إلى زرقةٍ وسوادٍ مخيف، كأنهما علامة على مصيرٍ لا فرار منه.
وصوتُك أنت، أيها الكروان… كان لا بدّ أن يعزف لحن الموت، لينبّه قلوب العذارى إلى ذلك المصير، إن لم يُصغين إليه. كان لا بدّ له أن يرتّل أناشيد الثكالى، لا أغنيات الحب التي أفضت بهنّ إلى الهلاك. ما كان لك، أيها الكروان، أن تكون قاسيًا إلى هذا الحد؛ تمدّ يدك إليهنّ لتغرّر بهنّ، وتنصب لهنّ شراك الموت، وهنّ لم يَرَيْن الحياة بعد، وما زلن أطفالًا لم تُصارعهنّ، ولم يفهمن منها شيئًا. إنما هنّ قلوبٌ بريئة، وضعتها تحت عجلات القسوة لتُدهَس بلا رحمة.
إني أعاتبك، أيها الكروان، على صوتك الذي ألقى في روعي وقلبي ما لم أُصغِ إليه، ولم أُعِرْه اهتمامًا، رغم أني كنت دائمًا أستمع إليك. لقد ترك فيّ شعورًا بالحزن والألم والضياع. كلما ملتُ إليك، أو سرحت بخيالي نحوك، كان الجرح يكبر، كفيلًا بقتل كل شعورٍ بالرضا والطمأنينة؛ كأن صوتك يُلقي في نفسي كراهيةً للحياة التي تخذلنا، وتُمعن في موتنا بكل قسوة.
حديثي إليك، أيها الكروان، حديثُ من انتصرت عليه الحياة رغمًا عنه؛ رغم الأسلحة الكثيرة التي ظنّها يومًا أدوات نجاة، فاكتشف لاحقًا أنها أدوات خراب، قتل بها نفسه قبل أن يقتل بها غيره.
لقد خذلتني قديمًا… وتخذلني الآن. خذلتني حين كنت أحمل العالم بين جنبيّ، أطير به فرحًا، مقبلةً عليه، سعيدةً، منتشية. وتخذلني الآن وأنا أحمل بين جوانحي حقدًا على الحياة وبغضًا مُرًّا لها. هو هو صوتك، لم يتغيّر، لكنني أنا التي تغيّرت. صفعتني به في الحالتين، وتركتني أواجه قسوة الحياة وحدي.
ولم أتجاوز الخامسة والعشرين بعد، ومع ذلك أشعر أنني بلغت من العمر عتيًّا. أقف أمامك الآن للمرة الأخيرة، كي أنفض مهزلة نفسي، وأجمع هزائمي، وألقي بها في البحر؛ لعلّه يحملها إلى مكانٍ بعيد، إلى بلادٍ لا أستطيع الوصول إليها أبدًا.


















0 تعليق