الأمثال عند المصرى القديم
على ضفاف النيل، حيث لا تزال المياه تهمس بأسرار المصريين القدماء، تستمر مصر فى الكلام. لم تعد تتحدث بالهيروغليفية المنقوشة على الحجر، بل بلغةٍ عاميةٍ نابضةٍ بالحياة، غنيةٍ، سلسةٍ، وعالمية: لغة الأمثال. هذه اللمحات المنبثقة من الأرض والقلب والعصور، هى شعر الحياة اليومية، وفلسفة الشعب. تتحدث عن الحب والحزن والدهاء والوفاء بنفس بساطة شروق الشمس فوق ضفاف النهر المقدس.
أمثال عن الحب
"ضربة الحبيب كأكل الزبيب". يقولون فى مواضع أخرى إن الحب أعمى. أما هنا، فيقولون إنه يخفف من وطأة الضربات، وكأن الألم يصبح حلوًا حين يحجبه الحب.
"بصلة من الحبيب تساوى خروفًا". ففى الحب، النية أثمن من الشىء نفسه. يكفى قلب محب ليحول أبسط هدية إلى هدية ثمينة. نشأ هذا المثل من لفتة فلاح متواضع قدم بصلة لحبيبته، فرأت فيها وليمة، لشدة فيض حبها لها.
"إن سرقت، فاسرق جملاً. وإن أحببت، فأحب القمر". ليست هذه قصيدةً تُشيد بالجريمة، بل دعوةٌ إلى العظمة: إن كنت ستعيش، فعِش الحياة على أكمل وجه. ليت طموحك، سواءً كان عملاً أو دافعاً قلبياً، يسعى دائماً إلى القمة.
"مرآة الحب عمياء". طالما سكن الحب فينا، فإنه يُشوش انعكاسنا. فقط بعد انطفاء اللهيب نستطيع تمييز الرماد وقراءة آثار النار بوضوح.
"ضع حبيبك على السطح، فإن كان لك، فلن يرحل". فى هذا المثل تكمن حكمة القدر. فما كتب لنا، حتى وإن علق فى الهواء، سيعود إلينا فى النهاية.
أمثال عن الصداقة
"عدو زكى خير من صديق أحمق". أحيانًا، يكون الذئب المتوقع خيرًا من الخروف الغافل. الخطر المعروف أسهل من خطأ صديق غافل غير متوقع.
"استشرت العرافين، فلم أجد صديقًا وفيًا". تنهيدةٌ خافتةٌ فى ثنايا الصمت: عندما تحل أوقات الحاجة، تتلاشى الأحبة، كاشفةً عن خواء بعض الصداقات.
"صحبة كلب وفى خير من صديق يقودك إلى الهلاك". الوفاء لا يعرف الكلام ولا التكميم، بل القلب الصادق. حيث يخون البشر، تحمى الحيوانات.
"من يستعيد أحباءه القدامى ينسى أصدقاءه القدامى". أحيانًا، نظرة من الماضى كفيلة بمحو سنوات من الصداقة. قلب الإنسان متقلب، ينتقل من مكان إلى آخر مع أول نسمة هواء.
"فى أوقات الشدة، لا يبقى لك إلا صديقان حقيقيان؛ وفى أوقات الرخاء، ألفا صديق". يكشف زيف المظاهر زيف الذهب فى الشدائد. والمصائب، كالغربال، لا تسمح إلا بما هو جوهرى: القلوب الوفية.
أمثال عن الحياة
"للغائب عذرٌ دائمًا". قصيدة فى مدح الرحمة. فالغياب قد يخفى كربًا أو ظرفًا طارئًا أو ألمًا لا يمكن لأحد إدراكه.
"احمِ شمعتك كى تبقى مضاءة".علينا أن نعرف كيف نخمد ما ينير فينا، ونحفظه بعيدًا عن أنفاس الآخرين. فحتى الشعلة الصادقة قد تنطفئ إن انكشفت.
"أخبار اليوم تكلف مالًا، وغدًا ستكون مجانية". الفضول المتسرع لا يعجل بشيء. فالحقيقة، كالثمرة، لها وقتها لتنضج.
"الله لا يحملك عبئًا إلا ويهيئ لك القدرة على حمله". دعوة إلى الإيمان: كل محنة تعهد إلى من يملك، سرًا، القوة لمواجهتها. المحنة رسالة من الإله.
"لكل عقدة حل". لا قفل بلا مفتاح. كل طريق مسدود يحمل فى طياته وعدًا بالخلاص، لمن يعرف الصبر والإيمان والعمل.
"من أحبه الله أحبه الناس". مثلٌ كالدعاء: الحب الإلهى يشعّ. ومن يسير فى نور العلى يصبح، دون أن يسعى إليه، مصدر سلامٍ من حوله.
من خلال هذه الأمثال، تتجلى مصر عميقة، حساسة، ومشرقة. شعب، بين الفكاهة والقدرية، لم يكف يومًا عن الإيمان بالحب، والقوة الداخلية، وعظمة الأشياء البسيطة.
أمثال متنوعة
"الجمال مابيكمالش" - لا شىء كامل. يذكرنا هذا المثل المصرى بأن كل شىء جميل يحمل فى طياته عيبًا.
وبعيدًا عن كونه استسلامًا للقدر، فهو دعوة للاستمتاع باللحظة، وللتقدير لما نملك، حتى وإن كان ناقصًا، فالجمال أحيانًا يكمن فى غير المكتمل.
-"لا يزال القرد غزالاً فى نظر أمه".
-"اليد التى تكون قصيرة جدًا بحيث لا تستطيع تقديم الخدمة تكون أيضًا قصيرة جدًا بحيث لا تستطيع الوصول إلى المناصب العليا".
-"تكمن قوة الحقيقة فى أنها تدوم".
-"يكون لك الأفضلية على الغضب عندما تلتزم الصمت".
-"أحبها وأنشرها، أكرهها وأخفها".
-"الشخص الوحيد الذى لا يستطيع الغناء هو التعيس حقًا".
-"ألقِ بالرجل المحظوظ فى النيل، وسيعود وفى فمه سمكة".
-"لن تجد الكذبة عبّارة ولن تعبر النهر".
-"الزوج الذى لديه زوجتان متنافستان كمن حُبس بين عودين".
-"استشر قبل أن تجيب، واحذر التهور".
-"الموتى ما زالوا أحياء فى قلوب الأحياء".
-"بيت الرجل يعكس شخصيته".
-"ما مضى قد مات".
-"ابن الإوزة سباح ماهر".
-"عصفور فى اليد خير من عشرة على الشجرة".
-"بعد أن شاب شعره، ذهب إلى المدرسة".
-"الثقة برجل خانك مرة كمن يسلم الماء إلى مصفاة".
-"من يكثر الكلام عن نفسه يجلب النقد".
-"المال المتروك يعلم السرقة".
-"الكفن بلا جيوب".
-"عندما يكبر ابنك، عامله كأخ".
-"العجل الذى تربيه امرأة لن يستطيع حرث الأرض".
-"من يثق بالكلام المعسول يثق بالمصفاة. السمعة الحسنة خير من الثروة".
-"احفظ لسانك وتجنب الشتائم".
-"من لم يشبع على مائدة أبيه، لن يشبع أبدًا".
-"ضربات العاشق كتذوق العنب".
-"لكل إنسان أجله".
-"كلمات القلب الغاضب أسرع من الريح".
-"رب ولدك فى صغره، فيجلب لك السعادة فى كبره".
-"التوقف عن فعل الشر أسهل من طلب المغفرة".
-"من يكف عن الذنب لا يطلب المغفرة دائمًا".
-"من يعلق بين البصلة وقشرتها، لا يخرج إلا وتفوح منه رائحة كريهة".
-"اضرب البرىء ليعترف المذنب بجريمته. ضرط الجمال خير من غناء السمك".
-"بارك الاله فى الزائرين، واجعل زياراتهم قصيرة".
-"عدل القط خير من ظلم الفأر".
-"الملابس المستعارة لا تُدفئ الجسد".
-"أكرم بدويًا، فيأخذ ثيابك".
-"أفضل عشاء هو ما يؤكل فى النهار".
-"الرجل المغرور كشجرة دلب جميلة، كثيرة الأغصان لكنها لا تثمر".
-"أنت سيد الكلمات التى لم تنطقها، وعبدٌ لما نطقت به. القانون يقطع السيف، لكن السيف لا يقطع القانون".
-"الصمت يحمى من أخطاء كثيرة".
-"الإنسان يخشى الزمن، لكن الزمن يخشى الأهرامات".
-"من لم يشبع من الطعام، لن يشبع من لعقه".
-"نحذر من ضلال الحكيم، ونسكت عن ضلال الجاهل".
-"من لا يزرع لا يحصد، ومن يزرع زرعًا رديئًا يحصد زرعًا رديئًا".
-"من يستيقظ باكرًا مع شروق الشمس لا يسهر حتى المساء".
-"طوبى لمن تطأ أقدامهم الأرض التى تنبت عليها الأعشاب".
وأخيرًا، يتردد فى قلوب المصريين حقيقة أعظم: "الدنيا فانية" - هذه الدنيا زائلة. يعيشون بإدراك روحى بأن كل شىء هنا مؤقت.
لذا يضحكون، ويحبون، ويبكون، ولكن دائمًا بخفة روح عميقة، وتواضع يدفعهم إلى عدم أخذ أى شىء على محمل الجد.
تُتناقل الأمثال المصرية همسًا تحت شرفات البيوت القديمة، وتُتناقل مع الأكواب الفخارية، وتتردد أصداؤها فى الأغانى وأحاديث الأسواق، فهى درر محفورة فى نسيج الحياة.
ومما سبق يظهر لنا ان كثير من الأمثال التى نرددها اليوم، سبقنا إليها المصرى القديم، ووجدت على البرديات وشكلت هذه العادات والتقاليد جزءًا هامًا من المصرية.
















0 تعليق