التحنيط في مصر القديمة
ارتبط التحنيط بعقيدة المصري القديم، وتعد أقدم مومياوات مصر القديمة نتاج عملية طبيعية، مرتبطة ارتباطا وثيقا ببيئتها، ففي أواخر عصور ما قبل التاريخ المصري، وقبل ظهور الأسرات، كان المصريون يدفنون جثث موتاهم في مقابر ضحلة، وكان الموتى على اتصال مباشر بالرمل، مما ساهم في تجفيف الجثث وحفظها.
لكن في ذلك الوقت لم يكن المصريون على دراية بهذا الأمر، وبعد أن لاحظوا هذه الظاهرة، حاولوا لاحقًا محاكاتها من خلال تطوير تقنيات متفاوتة التعقيد لتعزيز حفظ الجثث.
لماذا كان التحنيط ضروريا للمصريين؟
كان الحفاظ على الجسد عند المصريين القدماء مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاعتقاد بالحياة الأخرى، فقد اعتقدوا أن الإنسان يتكون من عدة كيانات، أحدها مادي والآخر غير مادي، ولكن عند الموت ينقطع الرابط بين هذه العناصر، ولذلك كانت العناية بالجسد ضرورية لإعادة هذا الرابط، وتوحيد مكونات المتوفى المختلفة، وبالتالي تجديد الحياة، وكانت تقام طقوس خاصة لتمكين المتوفى من الوصول إلى جسد جديد.
وفي الأساطير المصرية، يرتبط مفهوم البعث بالإله أوزيريس، ويقال إنه قتل على يد أخيه ست، وقطع إلى أجزاء ونثرت في أنحاء مصر، انطلقت إيزيس، زوجة أوزيريس، في رحلة طويلة للبحث عن كل جزء من جسد زوجها. وما إن جمعت الأجزاء، حتى طلبت من أنوبيس، إله التحنيط، أن يلف الجسد بالأكفان، وهكذا عاد الإله أوزيريس إلى الحياة.
ويقال إنها كانت أصل أول مومياء، وهذه الأسطورة تجسد بالنسبة للمصريين أمل البعث بعد الموت.
مراحل التحنيط وتقنياته عند المصريين القدماء
تشرح مصادر قليلة عن المصريين القدماء أساليب حفظ الجثث بعد الموت، ويعد المؤرخان اليونانيان هيرودوت وديودور الصقلي من أبرز من تناولوا هذه الممارسات في كتاباتهم، حيث قدما تفاصيل عن عمل المحنطين.
في بداية الأمر، يوضع الجسد على طاولة مائلة لتسهيل تصريف السوائل الجسدية، وتبدأ المراحل كالآتي:
استئصال دماغ الجمجمة
وتضمنت هذه العملية إزالة الدماغ عبر الأنف باستخدام قضيب معدني منحنى مصنوع من البرونز، يدخله المحنط في فتحة الأنف اليسرى، مخترقا سقف التجويف الأنفي (العظم الغربالي)، وموفرًا وصولًا مباشرًا إلى تجويف الجمجمة. ثم يستخرج الدماغ، الذي يتفتت بمساعدة القضيب المعدني، تدريجيًا من الجمجمة. بعد اكتمال العملية، يملأ تجويف الجمجمة عادة، بشكل كامل تقريبًا، بمادة راتنجية سوداء زجاجية سائلة تذاب بالتسخين. وقد عثر على قمعين بقناتين تستخدمان لإدخال الراتنج عبر فتحتي الأنف. وفي بعض الأحيان، كان يملأ تجويف الجمجمة ببساطة بقطع قماش ممزقة.
استئصال الأحشاء
وكان يتم ذلك بعد فتح الخاصرة اليسرى بسكين من حجر الأوبسيديان المعروف لدى هيرودوت باسم "الحجر الإثيوبي". ومن خلال هذا الفتح، تستأصل الرئتان والمعدة والأمعاء والكبد. تغسل هذه الأعضاء، وتجفف بالنطرون، وتضمد، ثم توضع، بحسب الفترة الزمنية، في أوانٍ كانوبية، أو تعاد إلى التجويف الصدري البطني، أو توضع بين ساقي المتوفى.
الأواني الكانوبية
من بين العديد من القطع الأثرية المرتبطة بطقوس الدفن في مصر القديمة، تحتل الأواني الكانوبية مكانة فريدة، فهي تحمي الأعضاء، وتستخدم كحاويات عملية ومستودعات للمعتقدات الدينية، مما يجسد العناية الفائقة التي أولاها المصريون لحفظ الجسد والروح للحياة الآخرة.
خلال عملية التحنيط، كان المحنطون يزيلون الأعضاء الداخلية الرئيسية التي يعتقد أنها تسبب تحلل الجثة، وهي: الكبد والرئتان والمعدة والأمعاء. وكان القلب يعاد إلى مكانه في الجسم باعتباره مركز العقل والعواطف، وكانت هذه الأعضاء الحيوية ضرورية للبقاء على قيد الحياة في الآخرة.
في الأصل، كانت هذه الأواني ذات أغطية بسيطة، غالبًا ما تكون مستديرة، ولكن ابتداء من عصر الدولة الحديثة اكتسبت رمزية خاصة، فقد اتخذت الأغطية شكل رؤوس تمثل أبناء حورس الأربعة، وهم آلهة تحمي الأعضاء الداخلية، ويرتبط كل منهم بحماية عضو محدد.
إميستي، برأس بشري، كان يحمي الكبد، إلى جانب الإلهة إيزيس.
حابي، برأس قرد البابون، كان يحمي الرئتين، إلى جانب نفتيس.
دواموت إف، برأس ابن آوى، كان يحمي المعدة، إلى جانب نيت.
قبح سنواف، برأس صقر، كان يحمي الأمعاء، إلى جانب سرقت.
تعكس هذه الرموز المفهوم المعقد للتوازن الكوني، ودور كل إله في حماية البشرية بعد الموت.
حمام النطرون
استخدم النطرون، وهو مزيج طبيعي من كربونات الصوديوم وبيكربونات الصوديوم، يحتوي أيضًا على كلوريد الصوديوم وكبريتات الصوديوم، على شكل بلورات توضع على الجسم بعد تفريغ أحشائه. أدى مفعوله إلى تجفيف الجسم وتصبين الدهون. وفي نهاية هذه العملية، ينخفض وزن الجسم إلى حوالي 20% من وزن الكائن الحي. اعتقد بعض الباحثين أنه ينبغي استخدام النطرون في محلول مائي، ومع ذلك أظهرت تجارب أجريت خلال ثلاثينيات القرن العشرين على الحمام من قبل "لوكاس"، والفئران من قبل "جارنر"، أن استخدام بلورات النطرون فقط هو ما أعطى نتائج مرضية.
غسل الجسد مرة ثانية
كان غسل الجسد للمرة الثانية، الذي تلى ذلك، ضرورة عملية، ولكنه حمل أيضًا دلالة رمزية، فقد جرى بعد تجفيف الجسد للتخلص من أي بقايا نطرون، ورمز إلى تجدده، كما يتجلى تجدد إله الشمس رع عند خروجه من الماء. وتبع ذلك مسح الجسد بأنواع مختلفة من الدهون العطرية والزيوت، بهدف استعادة بعض المرونة إليه ومنحه رائحة زكية.
الأربطة الكتانية
بعد ذلك جاء دور التضميد، الذي يضمن للجثة درجة من العزلة عن البيئة المحيطة. وكانت هذه العملية طقسية للغاية، وتجرى تحت إشراف مباشر من كاهن، كان يقرأ أو يتلو في كل مرحلة من مراحل التضميد تعاويذ تهدف إلى حماية أطراف المتوفى واستعادة وظيفتها. وخلال هذه العملية، وضعت تمائم واقية بين طبقات الضمادات المختلفة. وخصص مكان مميز لـ"جعران القلب"، الذي يعتقد أنه يحل محل القلب في حالة فقدانه.
لكن التحنيط لم يكن الطقس الوحيد الذي يسمح للمتوفى بالوصول إلى البعث، فقد كان لا بد من تقديم القرابين للمتوفى حتى يتمكن من الأكل والشرب حتى في العالم الآخر، ولذلك كان من الممكن ترك العديد من الوجبات في قبره.
من كان يمكن تحنيطه؟
مع ذلك، وتبعا للمنطقة والفترة التاريخية، لم يكن التحنيط متاحا إلا لشريحة معينة من الشعب المصري. ففي البداية، كان الملك وحاشيته فقط هم من يحنطون بهذه الطريقة، ثم انتشرت هذه الممارسة تدريجيا بين النخبة، ثم بين عامة الشعب.
ويعتقد أن التحنيط بلغ ذروته خلال عصر الدولة الحديثة، إذ أصبحت التقنيات أكثر دقة، وانتشرت الممارسة بين شريحة أوسع. ويذكر هيرودوت، خلال رحلاته في مصر في القرن الخامس ق.م، وجود ثلاث تقنيات تحنيط متاحة للجميع. وبذلك، كان بإمكان الطبقات الدنيا استئجار محنطين لإجراء التحنيط بأقل تكلفة على موتاهم.
لماذا حنط المصري القديم الحيوانات؟
أصبح التحنيط ممارسة شائعة خلال هذه الفترة بفضل تطوير تقنيات أسرع وأقل تكلفة من الطريقة التقليدية، ولعل هذا هو السبب في تحنيط مئات الآلاف من الحيوانات، من قطط وكلاب وصقور وطيور أبو منجل وتماسيح وغيرها، وهذه القائمة ليست شاملة، إذ كان من الممكن تحنيط جميع الحيوانات التي عاشت في مصر تقريبًا، بنسب متفاوتة حسب النوع.
ولم يكن لتحنيط الحيوانات دائمًا نفس الغرض، ومن الحالات الخاصة الحيوانات التي تعتبر تجسيدًا حيًا لإله، ولا سيما ثيران آبيس وبوخيس ومنيفيس، التي تم تحنيطها بعناية فائقة، على الرغم من أن النتائج لم تكن مثالية بسبب التحديات التقنية الكامنة.
وفي المقابل، كانت الحيوانات الأخرى، مثل القطط وطيور أبو منجل والصقور، التي عثر عليها في مقابر العصر المتأخر، أقل جودة بشكل عام، فقد كانت هذه قرابين نذرية كان بإمكان المصلين شراؤها من المعابد لتقديمها للإله الذي خصصوها له. وفي بعض الحالات، ربما تم تحنيط حيوان أليف، على سبيل المثال قطة أو قرد بابون، ووضعه في قبر صاحبه.
وهكذا كان المصري القديم متفردا وسابقا لكل الحضارات فيما يتعلق بعملية من أعمق العمليات المتعلقة بالجسد الإنساني، وهي التحنيط، التي تشكل جزءًا هامًا من الهوية المصرية القديمة.
















0 تعليق