لم يعد الشاعر المعاصر فى لحظتتا الراهنة يرتدى مسوح الحكيم القديم أو يستعير نبراته الواثقة التى تفيض باليقين، ولم يعد خطيب الجموع المتحدث بلسانها، المعبر عن أحوالها، ولم يعد الفيلسوف الرائى القادر على صياغة معضلات الوجود صياغة لا يتطرق الشك إليها، بقدر ما أضحى كائنا متسائلاً عن ذاته وأهمية دوره ومعنى وجوده ومغزى تأملاته متجاوزا نبرات التساؤل الرومانسىة القديمة، متشككا أحيانا فى جدوى الشعر ذاته وقدرته على التأثير فى عالم أمسى أكثر جهامة وأغلظ قلبا، وأعتى غواية وأشد سرعة وأكثر خضوعا لهيمنة القوة العسكرية وقسوتها الغاشمة.
وقد انعكست تلك الرؤى على لغة الشعر ذاته وعلى تراكيبها وعلى أنماط تخييلها فلم تعد لغة تتزيا بالوضوح المزركش أو تنحو إلى الخطابية الجهيرة أو المباشرة القاتلة لتعدد الإيحاءات، ولم تعد العلاقات بين الكلمات مألوفة كألفتها القديمة التى ازدادت بفعل إعادة تدوير الدلالات وتشابه أنماط صياغة الصور البلاغية وتناسل الاستعارات والتشبيهات بل خضعت الكلمات لمنطق التنافر بين الدال والمدلول وأوغل الشاعر فى توظيف تقنيات الانزياح الأسلوبى الباحثة عن لغة مشاكسة للغة المطروقة وسلطة النموذج المعتاد، واحترف تقنية المفارقة بمستوياتها المتعددةوأنماطها المتشعبة ووظف الرموز الجديدة المجافية لمرجعيات التلقى المستقرة فى ذاكرة القارئ التقليدي، فغدت تلك التقنيات والمهيمنات الأسلوبية الحديثة أشبه بالأنساق الحاكمة لرؤية الشاعر المعاصر المنخرط فى كتابة لحظته الحاضرة، وصياغة عوالمها المتخيلة وتشكيل أبنيتها اللغوية فى أبعادها التركيبية والتصويرية والإيقاعية.
لقد فارق الشعر وظيفته الإخبارية - أو كاد - لصالح الإمعان فى الالتفاف حول وظيفته الشعرية التى لم يعد التوصيل أبرز شواغلها، وغادر أغلب الشعراء لغة الجماعة لمجاوزة لغة الجماعة، وأضحى كثير منهم - منذ سبعينيات القرن الماضى فى مصر وما قبلها فى لبنان- يمارسون العنف على اللغة ويسعون إلى تغريب الدلالات ونزع الألفة عن الكلمات ربما لشعورهم بالاغتراب الذى تنامى وتعقد عبر السنوات، وربما بوازع من العجز عن تحقيق الأحلام المغدورة وتجسيد الثورية المبتغاة فى الواقع فلنحققها إذن فى اللغة، فصارت الدهشة هى المسعى الإبداعى والإدهاش هو المبتغى الجمالي.
وأضحى مناط التحدى لدى الشاعر هو كتابة لغة لم تكتب من قبل وصياغة صورة لم تبتكر من قبل، وقد عزز تلك التوجهات الجمالية شيوع المناهج اللغوية والنقدية الحديثة فى مشهدنا الأدبى الراهن مع نشاط حركات الترجمة وتنظيرات نقاد الحداثة وما بعدها، التى أهدت للشاعر المثقف المتابع معارفها المتخصصة حول مناهج النقد اللغوية الحديثة بدءا من جهود عالم اللغة السويسرى الشهير فرديناند دى سوسيىر وتلميذه شارل بالى ومرورا بالشكلانية الروسية وحلقة براغ والاتجاهات البنيوية والأسلوبية المتعددة وممارسات التفكيكية وٱليات التتاص ونظريات التلقى وغيرها من المناهج النصية ومناهج القراءة التى ولت وجهها شطر النص اللغوى وعلائقه العميقة المتداخلة، وعززت من فاعلية القراءة ودور المتلقى فى إنتاج الدلالة؛ فتراجع النظر إلى القصيدة باعتبارها وثيقة نفسية مصدقة أو وثيقة اجتماعية دالة، وتحولت اللغة الشعرية من المطابقة إلى الاختلاف ومن الإفهام إلى الخلق وأضحى التشكيل اللغوى بكل تجلياته التركيبية والتصويرية والإيقاعية مبتغى كل شاعر ينحو إلى الابتكار والاختلاف أكثر من حرصه على التوصيل والتواصل والانشغال برؤى الجموع وهمومها المتعددة وما تستدعيه تحدياتهاالراهنة.












0 تعليق