محمد سعد يكتب: عبد الرحمن أبو زهرة.. رحيل قامة فنية وإنسانية وذكريات من مسقط لميلانو

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في زمنٍ أصبحت فيه النجومية تقاس بالأرقام والضجيج، ظل الفنان الكبير عبدالرحمن أبو زهرة قيمة فنية وإنسانية نادرة، وقامة لن تتكرر بسهولة في تاريخ الفن العربي.

وبرحيله، لا نفقد مجرد ممثل قدير، بل نفقد مدرسة كاملة في الالتزام والإبداع والرقي، ونودع وجهآ ارتبط بذاكرة أجيال كاملة عاشت معه أجمل لحظات الدراما والمسرح والضحكة الصادقة.

كان عبدالرحمن أبو زهرة فنانا استثنائيا، يمتلك حضورا لا يشبه أحدًا، وصوتا يحمل الهيبة والدفء معا، وأداء قادرا على أن ينقلك من الضحك إلى الدموع في لحظة واحدة.

لم يكن يؤدي أدواره فقط، بل كان يعيشها بكل تفاصيلها، حتى أصبح جزءًا من وجدان المشاهد العربي، الذي رأى فيه الفنان الحقيقي والإنسان النبيل في آنٍ واحد.

ومن الذكريات التي لا يمكن أن تغيب عن ذاكرتي، رحلتنا معا من مسقط إلى ميلانو وبطولته في عرض “ابن بطوطة” الشهير، ذلك العمل الذي أبدع فيه كعادته وأبهر الحضور من المسؤولين والوزراء وأبناء الجالية العربية هناك. يومها وقف الفنان الكبير على المسرح شامخا، يملك أدواته بثقة الكبار، ويخطف القلوب قبل الأبصار، لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل كان درسا حيا في كيف يكون الفن رسالة راقية تتجاوز الحدود واللغات.

وانتهت تلك الرحلة الجميلة بعودتنا معا إلى القاهرة، لكن ذكرياتها لم تنتهِ أبدا، بل بقيت محفورة في الوجدان، تماما كما بقيت إنسانية هذا الفنان العظيم في قلوب كل من عرفه عن قرب.

كما جمعتنا لقاءات وحوارات عديدة في سلطنة عمان، برفقة ابنه الصديق أحمد أبو زهرة، وكانت تلك اللقاءات تكشف دائما جانبا آخر من شخصية الفنان الكبير، الإنسان البسيط، المحب للحياة، صاحب الروح الكوميدية الطاغية التي كانت تملأ المكان دفئا وبهجة مهما كانت الظروف.

لقد كان عبدالرحمن أبو زهرة بالنسبة لي أكثر من فنان؛ كان معلما وأستاذا وأبا وصديقا حقيقيا. تعلمنا منه كيف يكون احترام الفن، واحترام الانسان لنفسه، وكيف تكون الأخلاق قبل الشهرة، والقيمة قبل الأضواء. كان يحمل قلبا نقيا، وتواضعا نادرا وخفة دم لاتوصف، رغم مكانته الكبيرة وتاريخه الذي سيظل محفورا بأحرف من نور في ذاكرة الفن العربي.

اليوم يرحل الجسد، لكن يبقى الأثر.

تبقى الضحكات، والمشاهد الخالدة، والكلمات التي سكنت القلوب، وتبقى سيرة رجل أحب فنه فأحبه الناس بصدق.

سيظل اسم عبدالرحمن أبو زهرة حاضرا في كل بيت عربي، وستظل أعماله جزءا من ذاكرة لا تموت.

رحم الله الفنان الكبير، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الغالية ومحبيه الصبر والسلوان.
لقد رحل الكبار… لكن الكبار لا يغيبون أبدا.

رحلة من ميلانو الى القاهرة
رحلة من ميلانو الى القاهرة

 

بروفات عرض ابن بطوطه في ميلانو
بروفات عرض ابن بطوطه في ميلانو

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق