ليست الثورة تمردًا عابرًا على كيان الدولة، ولا اندفاعًا أعمى يطيح بكل ما يعارضه، كما أنها ليست مطمعًا لجماعات تتنافس على اقتسام السلطة والثروة، أو وسيلة لاستبدال طاغية بآخر.
الثورة الحقة، في جوهرها، فعل إصلاح عميق يعيد الأشياء إلى نصابها الصحيح، ويقيم ميزان العدل بين الناس, حين تنتصر الثورة لقيمها، يصبح القانون سيدًا لا يُفرّق بين غني وفقير، وتُصان الحقوق، وتُؤدّى الواجبات، وتعلو المصلحة العامة فوق كل اعتبار. عندها فقط، يمكن القول إن الثورة قد نجحت، وأثمرت واقعًا إنسانيًا أكثر عدلًا وكرامة, لكن الخطر الحقيقي يبدأ بعد سقوط النظام، لا قبله.
فكم من ثورات نجحت في إزالة الظلم، ثم عجزت عن بناء البديل، فتحولت إلى فوضى أشد قسوة من الاستبداد الذي قامت عليه. عند هذه اللحظة، لا تعود الشعارات كافية، بل يصبح الامتحان الحقيقي في القدرة على بناء دولة عادلة، لا في هدم دولة ظالمة فقط, إن نجاح الثورة مرهون بوعي قادتها ونزاهة نخبها، حين تُقدَّم مصلحة الوطن على الطموحات الفردية، وحين لا تتحول الثورة إلى ساحة صراع بين جماعات تتنافس على السلطة، فتنسى المبادئ التي نادت بها، وتدوسها في سبيل الوصول إلى الحكم, وحين تتنازع القوى التي توحدت يومًا ضد عدو مشترك، ينكشف الوجه الآخر للثورة؛ إذ تتحول من مشروع تحرير إلى مشروع صراع، وقد تنزلق البلاد إلى نزاعات داخلية تعصف باستقرارها، وربما تعيدها إلى نقطة أكثر ظلمة, المشكلة، في جوهرها، ليست في الثورة ذاتها، بل في العقول التي تقودها, في ذلك الفكر المنغلق الذي لا يقبل الآخر، ويرى في الاختلاف خطرًا يجب القضاء عليه، لا فرصة للتكامل والنضج. هنا تتحول الثورة من أداة بناء إلى معول هدم.
إن الثورة الحقيقية لا تكتمل بإسقاط نظام، بل تبدأ من هناك؛ تبدأ بثورة على الجمود، على التعصب، على إقصاء الآخر. تبدأ حين ينتصر العقل على الانفعال، والحوار على العنف، والقيم على المصالح الضيقة, وحتى ينشأ جيل جديد، يؤمن بالتعدد، ويحتكم إلى العقل، ويقدّم الوطن على الجماعة، ستظل الثورات مهددة بأن تتحول من حلم بالحرية إلى دائرة مغلقة من الصراع.

















0 تعليق