في مثل هذا اليوم 23 أبريل من عام 2002، تمت إعادة افتتاح مكتبة الإسكندرية بعد أن اندثرت لآلاف السنين، وذلك بعد إعادة بنائها وتجهيزها بمساعدات دولية، وفى إطار ذلك نستعرض تاريخ المكتبة العريقة عبر السطور المقبلة.
المكتبة القديمة
أنشئت مكتبة الإسكندرية القديمة على يد خلفاء الإسكندر الأكبر منذ أكثر من ألفي عام لتضم أكبر مجموعة من الكتب في العالم القديم والتي وصل عددها آنذاك إلى 700 ألف مجلد بما في ذلك أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو، كما درس بها كل من إقليدس وأرشميدس بالإضافة إلى إيراتوثيوس، أول من قام بحساب قطر الأرض.

مكتبة الإسكندرية قديما
أنشئت المكتبة بقرار من بطليموس الأول "سوتر"، أول ملوك البطالمة، الذين توارثوا حكم مصر بعد وفاة الإسكندر، أما المؤسس الحقيقي للمكتبة وصاحب الفضل في نهضتها وازدهارها فهو بطليموس الثاني "فيلادلفوس"، الذي حكم مصر مدة تسع وثلاثين سنة من 285 إلى 246 قبل الميلاد، وهو الذي وضع نظامها وجلب لها العلماء من العالم الإغريقي، ووفر لها الكتب من شتي المصادر، وصارت النموذج الذي اتخذته مكتبات عالم البحر الأبيض المتوسط مثالا تحذو حذوه، ومن هنا كانت مكتبة الإسكندرية نقطة الانطلاق نحو ديمقراطية العلم، وتيسيره لعشاق المعرفة، وفقًا للهيئة العامة للاستعلامات.
المكتبة تحت بصر العلماء
ولم تكن المكتبة عند نشأتها مجرد مخزن لتجميع الكتب، وإنما كانت تقوم على مؤسستين، أولاهما "الميوسيوف" أي المتحف، ويقيم فيه العلماء المتخصصون في كل الفنون، وثانيهما "المكتبة" التي تضم لفائف الكتب؛ لتكون تحت بصر العلماء في كل وقت، ويبدو أنها كانت موزعة على مكانين، الأكبر مجاور للميوسيون، والأصغر في معبد "السرابيوم". ويمكن أن ترى بقاياه عند عمود السواري.
بطليموس الثاني وحبه للثقافة والمعرفة
ويبدو أن بطليموس الثاني كان على درجة عالية من الثقافة وحب المعرفة، فكان يبعث البعوث لجمع الكتب من كل مكان، حتي يتوافر للمكتبة كل روافد العلوم، حتي بلغ مجموع ما تضمه حوالي 750 ألف لفافة، وهو الذي حفظ تراث أدباء اليونان العظام، وبعث إلى حكومة أثينا يطلب النصوص الأصلية، لمسرحيات "استخيلوس وسوفو كليس ويوربيوس"، ودفع لليونان رهنًا ماليًا باهظًا، وحين جاء وقت إرجاعها خسر الرهان؛ لأنه بعث بدلا منها نسخًا مدونة بخط جميل.
تستمد مكتبة الإسكندرية مكانتها الرفيعة، ليس فقط من جلال الكتب التي جلبتها أو ترجمتها، وإنما من مكانة العلماء الذين اجتذبتهم وهيأت لهم الإقامة الكريمة لكي ينصرفوا إلى شئون العلم والبحث، وشغل كبار العلماء وظيفة أمناء المكتبة، من بينهم "زنودوتس"، الذي وضع مع علماء اللغة أُسس علوم الأدب مع تحرير ونقد دقيق للكلاسيكيات، وهو أول إغريقي يضع للعالم متنًا منقحًا لكتابي "الإلياذة" و"الأوديسا" أعظم تراث الإغريق، وخلفه في رئاسة المكتبة "أبوللودنوس" الإسكندري، وهو مؤلف الملحمة المسماة "الحملة الأرجونيتية" التي ما زالت تقرأ حتي الآن رغم أنها كانت تلائم الذوق القديم، وفي عهده نظم الشاعر الغنائي "كاليماكوس" فهرس مكتبة الإسكندرية المشهور، الذي قسم الكتب تبعًا لمواضيعها ومؤلفيها، وعُدَّ كاليماخوس أبا علم المكتبات Library science.
أما ثالث أمين للمكتبة فهو الجغرافي القدير ذائع الصيت "أراتوستينوس"، الذي أثبت أن الأرض كروية، وحسب محيط الأرض بدقة مذهلة كما تحدث عن إمكانية الإبحار حول العالم، وذلك قبل 1700 عام من قيام كولومبوس برحلته الشهيرة، وخلفه "أريستوفانيس" البيزنطي، وكانت له شهرة بين العلماء بوصفه ناشر متون الشعر الكلاسيكي وكتابات الفلاسفة الذين سبقوا أفلاطون.
ويرجع الفضل لهؤلاء العلماء ولكثيرين غيرهم في رسم خريطة الفضاء الخارجي والسماء المحيطة به، وتنظيم التقويم، وإرساء قواعد العلم، ودفع حدود معرفتنا إلى عوالم لم تكن معروفة من قبل. كما أنهم فتحوا آفاق ثقافات العالم، وأقاموا حوارًا حقيقيًا بين مختلف الحضارات، وأصبحت الإسكندرية لما يزيد على ستة قرون رمزًا لذروة العلم والتعلم.
اختفاء المكتبة
اختفت مكتبة الإسكندرية تدريجيًا وعانت من الانهيار البطيء بدءًا من عصر "يوليوس قيصر" وكليوباترا؛ حيث احترقت المكتبة في ظروف غامضة في عام 48 ق.م أثناء احتلال "يوليوس قيصر"، الذي أرسل سفنه الحربية، عام 48 قبل الميلاد، لتدمير سفن دولة البطالمة المرابطة بالمرفأ المجاور. ويعتقد البعض أن هذه السفن قد قصفت الحي الملكي بالمدينة عن طريق الخطأ.
المكتبة الجديدة
تقام مكتبة الإسكندرية الجديدة على نفس الموقع الذي كانت تشغله المكتبة القديمة إحياء لذكري أشهر مكتبة في تاريخ الآثار، وطرحت فكرة إحياء المكتبة في أواخر حقبة الثمانينات حين قامت منظمة اليونسكو بالدعوة إلى المساهمة في إحياء المكتبة.
استغرق العمل بالمكتبة فترة طويلة؛ حيث بدأت الأبحاث الأثرية عام 1992، ولم يمكن تحديد أى آثار للمكتبة القديمة. وفي مايو عام 1995 بدأ تشييد حائط الجار للمكتبة، و تم افتتاح المكتبة في أكتوبر 2002، وقد أخذت مكتبة الإسكندرية الجديدة على عاتقها مسئولية تكريس كل جهودها لإعادة إحياء روح المكتبة القديمة الأصلية، ومن أجل ذلك فإن المكتبة تسعى إلى أن تكون نافذة العالم على مصر ونافذة مصر على العالم ومؤسسة رائدة في العصر الرقمي الجديد ومركزًا للتعلم والتسامح ونشر قيم الحوار والتفاهم.
وتتبع مكتبة الإسكندرية استراتيجية موضوعية؛ حيث تكمل وتدعم الأنشطة الخاصة بكل وحدة الأنشطة المتعلقة بالوحدات الأخرى بصورة متناغمة ومتكاملة، وقد وُضعت هذه الاستراتيجية لتحقيق الأهداف الأربعة الرئيسة لهذه المؤسسة، وذلك على النحو الذي يُمكِّن المكتبة من أن تصبح نافذة العالم على مصر، ونافذة مصر على العالم، ومؤسسة رائدة في العصر الرقمي الجديد، ومركزًا للتعلم والتسامح ونشر قيم الحوار والتفاهم بين الشعوب والثقافات.

مكتبة الأسكندرية
انضمت المكتبة إلى اتحاد المكتبات العالمية، وهو الاتحاد الذي يضم 30 مكتبة من كبريات المكتبات العالمية على رأسها مكتبة الكونجرس، ولم ينضم إلى هذه الاتحاد طوال السنوات العشر الماضية سوى مكتبة الإسكندرية.
واحتوت مكتبة الإسكندرية وقت افتتاحها على مجموعة من الكتب وصلت إلى 200.000، وتم تنقيح المجموعات وزيادتها، كما تم إنشاء مجموعة خاصة للوسائط المتعددة للأطفال والشباب، وكذلك تم إنشاء مصادر إلكترونية؛ حيث نستطيع أن نحصي أكثر من 25.000 مجلة إلكترونية وحوالي 20.000 كتاب إلكتروني.
وأقيمت مكتبة الإسكندرية كأول مكتبة رقمية تتبع النظم التكنولوجية الحديثة في نشر المعرفة؛ حيث تسخر مكتبة الإسكندرية طاقاتها وقدراتها لتحقيق الريادة العالمية في المجال الرقمي من خلال عدد من المشروعات الرقمية والتكنولوجية، وتسعى في هذا الصدد إلى إقامة العديد من الشركات مع المؤسسات الثقافية ونظرائها من المكتبات الكبرى على مستوى العالم؛ حيث تطمح من خلال ذلك إلى تحقيق حلم إتاحة المعرفة للجميع؛ حيث يستطيع كل من يملك وصلة الإنترنت وجهاز كمبيوتر الحصول على أمهات الكتب وأصول المعرفة الإنسانية وقراءتها.

















0 تعليق