إيمان مكاوى تكتلب : إدارة الأصول الاستراتيجية للفنون الإبداعية بين فلسفة العرض ومنظومة الحفظ والحوكمة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تعد الأعمال الفنية مجرد لوحات تُعرض بل أصبحت أصولًا لها قيمة اقتصادية وثقافية تحتاج إلى إدارة دقيقة وحماية صارمة وتخطيط ذكي يضمن الحفاظ عليها وتعظيم دورها في قوة الدولة.

في عالم تتغير فيه أدوات التأثير  لم تعد الثقافة بعيدة عن معادلات النفوذ وهو ما يوضحه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye) حين يؤكد أن: القوة الناعمة قائمة على تشكيل تفضيلات الآخرين.

ومن هنا، تتحول المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها قطاع الفنون التشكيلية المصري، إلى فاعل استراتيجي لا يكتفي بحفظ التراث، بل يدير أصولًا سيادية تمثل ذاكرة الأمة وقيمتها الرمزية والاقتصادية في آن واحد.

وفي هذا السياق، يعرّف دليل إدارة المتاحف (Running a Museum) الصادر عن المجلس الدولي للمتاحف المتاحف بأنها: مؤسسات تحتفظ بالمجموعات كأمانة لصالح المجتمع، وتديرها لتحقيق المنفعة العامة.

وبذك هو تعريف يضع المسؤولية في صميم العمل المتحفي، ويؤكد أن الإدارة ليست مجرد تشغيل، بل التزام أخلاقي واستراتيجي.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين "فلسفة العرض" التي تضمن إتاحة الفن للجمهور، و"منظومة الحفظ والحوكمة" التي تحمي هذه الأصول من التآكل أو سوء الإدارة. فالإفراط في العرض دون ضوابط قد يهدد سلامة الأعمال، بينما يؤدي الانغلاق المفرط إلى عزل الفن عن المجتمع وفقدان تأثيره.

لم يعد من الممكن التعامل مع الأعمال الفنية باعتبارها مجرد قيمة جمالية، بل يجب النظر إليها كأصول رأسمالية تتزايد قيمتها بمرور الزمن. وهو ما يؤكده المفكر الاقتصادي جون هوكينز (John Howkins) في كتابه الاقتصاد الإبداعي (The Creative Economy) بقوله:

الإبداع ليس مجرد فكرة، بل هو أصل اقتصادي.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تبني منظور مالي احترافي في إدارة هذه الأصول، يبدأ بـ التقييم المالي الدوري وفقًا للمعايير الدولية، لضمان دقة التأمين وكفاءة إدارة المخاطر، ولا ينتهي عند بناء محفظة استثمارية ثقافية تُدار كوحدة اقتصادية متكاملة.

هذه المحفظة لا يمكن أن تُدار بكفاءة دون وجود نظام تصنيف دقيق للأصول (Asset Classification)، يحدد القيمة النسبية لكل عمل فني (قومية – تاريخية – سوقية)، بما يسمح بوضع سياسات متباينة للعرض، والإعارة، والحماية. فليست كل الأعمال تُعامل بنفس المنطق، بل وفق وزنها في الذاكرة الوطنية والسوق الثقافي.

كما يتطلب الأمر وضع مؤشرات أداء (KPIs) تقيس كفاءة الإدارة بشكل موضوعي، لا يقتصر على عدد الزوار، بل يمتد إلى حالة الأعمال، ومستوى الحفظ، والعائد الثقافي والتعليمي، والقيمة التقديرية المتنامية للأصول. فالإدارة الحديثة لا تقوم على الانطباع، بل على القياس.

وفي هذا الإطار، يوضح أستاذ التمويل أسواث داموداران (Aswath Damodaran) في كتاب "تقييم الاستثمارات (Investment Valuation)" أن: قيمة الأصل لا تتحدد فقط بما هو عليه، بل بكيفية إدارته.

وفي قلب هذه المنظومة، تفرض التكنولوجيا نفسها كضامن أساسي للحوكمة، خاصة مع تطور تقنية البلوكشين (Blockchain – سلسلة الكتل). حيث يشير المفكر دون تابسكوت (Don Tapscott) في كتاب ثورة البلوكشين (Blockchain Revolution) إلى أن:
البلوكشين هو سجل رقمي غير قابل للتلاعب لتوثيق المعاملات.

وهو ما يفتح الباب أمام إنشاء بصمة رقمية لكل عمل فني، تُسجل تفاصيله بدقة، وتمنع أي محاولة للتزوير أو الاستبدال، إلى جانب بناء نظام متكامل لـ تتبع الملكية (Provenance – سجل المنشأ والتاريخ)، يُوثّق كل حركة للعمل الفني بشكل شفاف.

ولا يتوقف دور هذه التقنية عند التوثيق، بل يمتد إلى تفعيل العقود الذكية (Smart Contracts)، التي تنظم عمليات الإعارة والعرض الخارجي بشروط مؤتمتة، تضمن الالتزام الكامل وتقلل من التدخل البشري ومخاطره.

كما تتيح هذه المنظومة بناء قاعدة بيانات وطنية مترابطة، تربط بين المتاحف والمخازن، بحيث تصبح كل قطعة فنية جزءًا من شبكة معلومات لحظية، لا مجرد سجل منفصل داخل مؤسسة.

وفيما يتعلق بمتاحف الرواد مثل متحف محمود مختار ومتحف محمود سعيد—فإن المسؤولية تتضاعف، نظرًا لكونها تمثل ذاكرة فنية وإنسانية فريدة.

هذه المتاحف لا تحتاج فقط إلى بروتوكولات حفظ صارمة وفق المعايير الدولية في الإضاءة والرطوبة ودرجات الحرارة، بل تحتاج أيضًا إلى إعادة تفعيل تشغيلي يعيد دمجها في الحياة الثقافية، من خلال برامج تعليمية، وربطها بالصناعات الإبداعية، وتحويلها إلى مراكز إشعاع ثقافي حي.

كما أن إتاحة الأرشيف الرقمي للباحثين والمتخصصين تمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الشفافية، وتحويل المجتمع إلى شريك في الرقابة، لا مجرد متلقٍ.

وفي هذا السياق، تؤكد اليونسكو أن: الصناعات الثقافية من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي.

وهو ما يعزز من ضرورة الانتقال من منطق الحفظ فقط إلى الحفظ والاستثمار معًا.

إن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكاملًا مؤسسيًا حقيقيًا بين الجهات الثقافية والمالية والتكنولوجية، بحيث لا تُدار الأصول الفنية في عزلة، بل ضمن شبكة قرار واحدة تربط بين الثقافة والاقتصاد والتحول الرقمي.

في النهاية، لم تعد إدارة الأصول الفنية مسألة تشغيلية، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات على التفكير الاستراتيجي. فالتحدي لم يعد في الاختيار بين العرض أو الحفظ، بل في القدرة على الدمج بينهما داخل منظومة حوكمة متكاملة.

إن بناء "محفظة استثمارية ثقافية" لا يعني تسليع الفن، بل يعني حمايته وتعظيم قيمته. هو انتقال من إدارة الذاكرة إلى استثمارها، ومن حفظ التراث إلى توظيفه كقوة ناعمة مستدامة.

فأخطر ما يهدد الأصول الثقافية ليس الفقد المادي فقط، بل سوء الإدارة الصامت الذي لا يُرى فورًا لكنه يتراكم حتى يُفقد الأصل قيمته تدريجيًا.

ومن هنا، تصبح الحوكمة ليست إجراءً إداريًا، بل خط الدفاع الأول عن ذاكرة الوطن… وضمان انتقالها للأجيال القادمة بكامل قيمتها، لا كأثر محفوظ فقط، بل كأصل حي يصنع المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق