نواصل سلسلة كلمات نوبل، ونتوقف عند جائزة نوبل فى الآداب لعام 1913، حين منحت الأكاديمية السويدية الجائزة للشاعر والكاتب الهندى رابندرانات طاغور، وألقى خطاب الأكاديمية هارالد يارنه، رئيس لجنة نوبل فى الأكاديمية السويدية، يوم 10 ديسمبر 1913، مؤكدة أن هذا الاختيار جاء التزامًا صريحًا بمعيار ألفريد نوبل، دون اعتبار لجنسية الكاتب أو بعد موطنه عن أوروبا.
وأوضحت الأكاديمية فى خطابها أن طاغور استحق الجائزة عن شعره الذى اتسم، بحسب حيثيات المنح الرسمية، بالحساسية العميقة والجدة والجمال، وبأنه استطاع بمهارة كبيرة أن يجعل فكره الشعرى، المكتوب بكلماته الإنجليزية، جزءًا من أدب الغرب.
وقد نصت الصفحة الرسمية للجائزة على أن نوبل الآداب 1913 مُنحت لطاغور منفردًا، وهو ما جعل اسمه يدخل تاريخ الجائزة بوصفه أول أديب آسيوى يفوز بها.
وركزت كلمة التقديم على كتاب "جيتانجالى: قرابين الأغانى" الصادر بالإنجليزية عام 1912، باعتباره العمل الذى لفت أنظار الأكاديمية والدوائر النقدية الغربية إلى طاغور. وأشارت إلى أن أهمية هذا الكتاب لا تعود فقط إلى قيمته الروحية والشعرية، بل أيضًا إلى أن صاحبه، وهو شاعر يكتب أساسًا بلغته البنغالية، أعاد تقديم قصائده بنفسه فى صياغة إنجليزية منحتها حياة جديدة، وجعلتها قابلة للتلقى الواسع فى إنجلترا وأمريكا والعالم الغربى.
ورأت الأكاديمية أن ما منح شعر طاغور هذا الصدى السريع هو قدرته على الجمع بين عناصر متعددة فى نسيج واحد متماسك، سواء على مستوى الفكرة أو الإيقاع أو اللغة، مع عناية واضحة فى اختيار الألفاظ وبناء النبرة الشعرية.
ولم يقتصر خطاب نوبل على الحديث عن كتاب واحد، بل سعى إلى وضع طاغور داخل سياق ثقافى وفكرى أوسع، متوقفًا عند نشأته فى البنغال سنة 1861، داخل أسرة ذات حضور فكرى وثقافى، وفى بيئة جمعت بين تقدير الفن واحترام الحكمة الهندية القديمة والانفتاح على أسئلة العصر، كما ربطت الأكاديمية بين تجربته الشخصية وبين التحولات اللغوية والفكرية التى عرفها المجتمع الهندى، خاصة فى البنغال، حيث تبلور تيار أدبى جديد يسعى إلى الاقتراب من الناس والتعبير عن احتياجاتهم الحية.
وتناولت الكلمة أيضًا انتماء والده إلى جماعة "براهمو ساماج"، مشيرة إلى أن هذه الخلفية الفكرية والدينية أسهمت فى تشكيل أفق طاغور الروحى والفلسفى، وإن كان الخطاب قد قرأ هذه التجربة من منظور أوروبى واضح، حاول تفسير النهضة الأدبية والروحية فى الهند عبر صلاتها بالمسيحية والإرساليات الغربية.
وفى جانب آخر، أشارت الأكاديمية إلى اتساع نشاط طاغور، موضحة أنه لم يكتب الشعر فقط، بل تناول كذلك قضايا النقد الأدبى والفلسفة وعلم الاجتماع، وأن تجربته الفكرية لم تكن معزولة عن التأمل والحياة الداخلية. ومن هنا بدت صورة طاغور فى خطاب نوبل أوسع من مجرد شاعر حقق نجاحًا عابرًا فى الترجمة، إذ ظهر بوصفه مثقفًا كاملًا، تتقاطع فى أعماله الأسئلة الجمالية والروحية والاجتماعية.
وإذا كانت كلمة التقديم قد منحتنا رؤية الأكاديمية السويدية لطاغور، فإن كلمته القصيرة فى مأدبة نوبل، التى جاءت فى صورة برقية قُرئت نيابة عنه فى ستوكهولم يوم 10 ديسمبر 1913، أضافت بعدًا إنسانيًا بالغ الدلالة، إذ عبّر فيها عن امتنانه للأكاديمية لأنها قربت البعيد، وجعلت الغريب أخًا. وتبدو هذه العبارة القصيرة من أجمل ما يختصر معنى الجائزة فى تلك اللحظة: عبور الأدب للمسافات، وتحويل الاختلاف إلى معرفة، والبعد إلى صلة.
















0 تعليق