الأرض.. قصيدة لـ أحمد إبراهيم فى ملتقى بيت الشعر العربى

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يستعد بيت الشعر العربي، بإدارة الشاعر سامح محجوب، لإطلاق الدورة الثانية من "ملتقى بيت الشعر العربى للنص الجديد"، وذلك خلال يومى 2 و3 مايو، فى إطار استكمال التجربة التى حققت حضورًا لافتًا فى المشهد الثقافى خلال دورتها الأولى.

الأرض.. لـ أحمد إبراهيم
- الأرضُ صاحبةُ الجلالةِ موردي
أمي وأولُ صرخةٍ و تمدُّدِي
غادرتُ طينَكِ عابثًا في الرملِ أخشى من فواتِ الموعدِ
الأرضُ تحملُ سرَّنا
ذكرى أبي و أبيهِ
وجهَ صبيَّةٍ كانت تراوغُ تحت ظلِّ التوتِ حلمَ الأمردِ
فيُمرِّرُ الكفَّينِ حولَ خدودِها
يصحو على وهجٍ يداعبُ جفنَهُ
بل إنها الشمسُ التي طلعت و تحجب بعضَها الأوراقُ
تأذنُ للفتى
لليومِ تأذنُ ثمَّ أعطيها يَدِي
فنسيرُ حيث يقودُنا ظِلِّي
على كتفي تَنَثَّرَتِ الحكايةُ
في أكفي شدوهم باقٍ و قلبي منشدي
غادرتُ ما فارقتُ ذكراهم
و ما غادرتِ صدري مرةً
كيف المحبُّ يضيقُ من حملِ الرسائلِ؟
كيف ينأى طفلكِ المهزومُ عن عتباتِ دارِكِ؟
أنتِ صاحبةُ الجلالةِ و الصحيبُ
صباحُ أيامي و أنتِ غدي
و مولاتي
ووجهي حينما برزت له عيني على ماءِ القنايةِ
في الليالي الحالكاتِ أرى بريقَكِ في وهيجِ المَوْقِدِ
و الآن أطمعُ في تودُّدِكم
و أعرف كم حفظتِ عهودَ من هجروا فصدركِ أوسعُ
الذكرى مُقَدَّمَةٌ لِنَيْلِ الصفحِ
تلك وفادةُ المهزومِ يَمْثُلُ في تَأَدُّبِهِ و أركَعُ
- تقصدُ الذكرى خطى تترصدُ الأوجاعَ يا ابني
ثمّ تنكأُ ما تُخبّئُهُ الليالي
لستَ أولَ هاجرٍ صدري
و لستَ مغادرًا جوفي
كأنِّي ما أصبتُ حقيقةً إلا و قد ضَيَّعتُها
و الفقدُ أوجعُ
لم تغبْ عن ناظريَّ و صوتَكَ المبحوحَ أسمعُ
لا أُخَبِّئُ عنك نكرانًا و أحفظُ ذكرياتِكَ
لا أضِنُّ بها عليكَ و لستُ أمنعُ
كيف تمنعُ وصلَها أُمٌّ و تَجْفو؟
كيف يسعى طِفلُها يومًا بدونِ فؤادِها؟
إذ يُقبلُ المهزومُ تَهرَعُ
مرحبا يا صاحبَ الدارِ استرحْ
و اهنأ بِمُتّكأٍ قديمٍ تحت ظلِّ التوتِ
يعرف كيف يخلعُ عنكَ آلامًا و يَجْمعُ
ثُمَّ يلقيها إلى جوفِ القنايةِ
حيثُ ذاك الطينُ يصفحُ دائما عن صاحبٍ و يرِقُّ
يحملُ للرفاقِ صبابةً و بقيةً من ذكرياتٍ أودعوا
و امرُرْ على وجهِ الصبيةِ بالسلام
- و بالمحبة باشتياقي بالغرامِ
بما حملتُ من الفراقِ نديمِ كأسي بعضِ آلامي
و أسئلةٍ تُمَضِّي وقتَها خلفي و قدّامي
ضللتُ طريقَ آبائي أمِ المسعى يعاندُ رميةَ الرَّامي؟
و ما جدوى إذا ركضَتْ أو انتظرتْ غزالٌ صيدَها
سِيَّانِ ما جدوى مُقَامي
ما سلِمتُ  من الحوادِثِ مُذْ تركتُ ديارَ قومي
بل أقمتُ على الحصى و عصا أبي حمّالَةٌ و خليلةٌ
باتت على عهدٍ أردُّ بها القذى و يدورُ بي يومي
فصار الأمسُ أبعدَ من فُتاتِ الخبزِ حين يجِفُّ
أبعدَ من جِراحٍ أثخنتها شَوكةٌ
و أنا وفيرُ الحظِّ من وخزٍ و من قَيْظٍ
كأنَّ الأمسَ يَغْدِرني بنومي
ثُمَّ إنَّكِ تَشْهدينَ على الحوادِثِ
ما فَتِئْتُ أقلِّبُ الذكرى و أرمي نحوها سَهْمي
فكيفَ أصيبُ واحدَةً تَفَرِّقُ بين حَدْسٍ صادِقٍ و غَشاوةٍ تُعمي؟
- أراكَ غَفَوتَ عن أمرِ الحياةِ
فإنَّها و الذكرياتِ غشَاوةٌ كبرى و حَدْسٌ صادقُ
و لقد شَهِدْتُ عبورَها فَوقي
دَبِيبٌ دائمٌ و مطارقٌ
هذا جدارٌ قائمٌ فاسألهُ
حين بناه جَدُّكَ هل أَقامَ على الوَفَا؟
و امرُرْ على صدرِ الجدارِ
لرُبَّما سَكَنَتْ به أنفاسُ جدِّكَ
حين غالبَهُ النعاسُ غَفَا
واسألهُ كَم أبقى من السنواتِ؟
كم نبتت بطينَتِهِ الحشائشُ؟
كان يأوي عاقرًا في جَوفِهِ و يَرِقُّ للمَنْبوذِ للنبتِ الغريبِ
لِكُلِّ حَيٍّ مَشرَبٌ و معائِشُ
فاخلعْ حذاءَكَ والتمسْ بعضًا من الثمراتِ
إنَّ أبَاكَ يرعاها ويَدْفعُها إليكَ بِها تُوَّفِي ظمأةً
يَشْتَدُّ عودٌ أَحطَبُ
أمَّا مقامُكَ، كيف تبلغُ مقصدًا و نهايةُ المَسعى
فذاكَ الأمرُ دُنيا أن تغالبَها و ليتَكَ تَغْلِبُ
- الدُّنيا وما صَرَعَتْ يداها 
كم صريعٍ خلَّفَتْهُ وراءَها يا أُمُّ
تحتَ تُرابِكِ المنثورِ أطرافُ الفتى و المَطْلَبُ
و لقد مَرَرْتُ بها أُصَافِحُ في المحطَّاتِ الحكايا
ثُمَّ تفلتُ كفَّها من بينِ كَفَّيَّ
أراني عالقًا بين الإجابةِ و السؤالِ
و عائدًا يا أمُّ من سفرٍ طويلٍ لا ركوبةَ غَيْرُ خُفَّيَّ
ولا يَبقى سوى ذاكَ النسيمِ المُطْمَئِنِّ
كمن يُقَبِّلُ وردَةً و يظلُّ ملمسُها حبيسَ الرَّاحِ
تلك الذكرياتُ دواءُ أَنِّيْ لم تُغادِرْ أَيَّ أَقداحي
فهذا حائِطُ الآباءِ طاولةُ الصبا و المتكا ووسادةُ الأفراحِ و الأتراحِ
أسألهُ دوامَ الوصْلِ
أسألُكِ الطريقَ إلى الحقيقَةِ أو قليلَ الفصلِ و الإفصاحِ
- يا ولَدِي تَزَوَّدْ بالخِفافِ من المَتاعِ و سر وحيدًا
أَدْرِك المسعى مع الإصباحِ
سَلِّمْ كلَّما رَبْعًا تزورُ و أَسْلِمِ الخطواتِ للطرقاتِ
و اعلم أن أطفالَ الحصى و الرملَ أطفالٌ
و أنَّ الليلَ إن صاحبته صاحبتَهُ و الصبحَ آَتٍ
تُدْرِكُ المسعى و زادُكَ في متاعِكَ حَفْنَةً من ذكرياتٍ
ثُمَّ عُدْ للدارِ يا ولدي و أَسْلِمنا الخطى
لا تدركَنَّ الفوتَ بالإفلاتِ
و اعلَمْ أنَّ فِي الركضِ الحياةُ تذوبُ فوقَ حرارةِ اللَّهثِ
و أنكَ لا تقيمُ بهذه الدنيا
بلى أنتَ المُقامُ
فسر إلى مسعاكَ يا ابني
والسلامُ عليكَ مسعاكَ السلامُ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق